27 -ثم استثنى فقال: {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى} ؛ أي: إلا من ارتضاه واصطفاه واختاره من خلقه لإظهاره على بعض غيوبه حالة كون ذلك المرتضى {مِنْ رَسُولٍ} أرسله إلى خلقه أي رسول كان المتعلقة تلك الغيوب برسالته كما يعرب عنه بيان من ارتضى بالرسول تعلّقًا ما إما لكونه من مبادي رسالته بأن يكون معجزة دالة على صحتها، وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعافة التكاليف الشرعية التي أمر بها المكلّفون وكيّفيات أعمالهم وأجزيتها المترتّبة عليها في الآخرة، وما تتوقّف هي عليه من أحوال الآخرة التي من جملتها قيام الساعة، والبعث والحشر، والحساب، والميزان وغير ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من وظائف الرسالة. وأمّا ما لا يتعلق بها على أحد الوجهين من الغيوب التي من جملتها وقت قيام الساعة، فلا يظهر عليه أحدًا أبدًا على أن بيان وقته مخلّ بالحكمة التشريعية التي يدور عليها فلك الرسالة.
قال القرطبي: قال العلماء: لما تمدح الله سبحانه بعلم الغيب، واستأثر به دون خلقه ... كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه. ثم استثنى من ارتضى من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزةً لهم ودلالةً صادقةً على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكفّ وفي المسبحة، ويزجر بالطير ويخبر عن الجنّ، فيطلعه على ما يشاء من غيبه، فهو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه، وكذبه انتهى مع بعض زيادة، ولا تغتر بما ذكره الإمام الرازي في"تفسيره"هنا، كما رد عليه الإِمام الشوكاني.
فَإِنْ قُلْتَ: إذن قد تقرَّر بهذا الدليل القرآني أن الله يظهر من ارتضى من رسله على ما شاء من غيبه، فهل للرسول الذي أظهره الله على ما شاء من غيبه أن يخبر به بعض أمته؟