قال مجاهد: كان اليهود والنصاري إِذا دخلوا بِيَعَهُمْ وكنائسهم أَشركوا بالله فيها؛ وذلك أَن النصارى تقول: المسيح ابن الله، واليهود يقولون: عزير ابن الله، فأَمر الله - عَزَّ وجلَّ - نبيَّه والمؤمنين أَن يخلصوا العبادة لله وحده، وأَلاَّ يدعوا مع الله أَحدًا إِذا دخلوا المساجد كلها، هذا وإِن الأَرض جميعًا مساجد للرسول صلى الله عليه وسلم ولأَمته، فقد ورد في حديث جابر عن عبد الله الذي أَخرجه البخاري:"وجعلت لي الأَرض مسجدًا وطهورًا، فأَيما رجل من أَمتي أَدركته الصلاة فليصل"وعلى هذا قال: فالمساجد جمع مسجِد - بكسر الجيم - وقيل: المراد بها الأَعضاء السبعة التي يسجد عليها، واحدها مسجَد - بفتح الجيم -
وهي القدمان والركبتان والكفان والوجه، وروي أَن المعتصم سأَل أَبا جعفر محمد بن علي ابن موسى الكاظم - رضي الله عنهم - عن ذلك فأَجاب بما ذكر، وقيل: المراد المساجد السجدات، على أَن المسجَد - بفتح الجيم - مصدر ميمي، قال الحسن؛ من السنة إِذا دخل الرجل المسجد أَن يقول: لا إِله إِلاَّ الله: لأَن قوله: (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا) في ضمنه أَمر بذكر الله ودعائه.
وقيل المعنى: أَفردوا المساجد لذكر الله ولا تتخذوها هزوًا ومتجرًا ومجلسًا ولا طرقًا، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيبًا، وفي الصحيح:"من نشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردَّها الله عليك؛ فإِن المساجد لم تبن لذلك".
هذا، وقد روى الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم كان، إِذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى وقال: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا) اللهم أَنا عبدك وزائرك، وعلى كل مَزُور حق، وأَنت خير مَزوُر، فأَسأَلك برحمتك أَن تفك رقبتي من النار"وإِذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى وقال:"اللهم اصْبُبْ عليَّ الخير صبًّا، ولا تنزع عني صالح ما أَعطيتني أَبدًا، ولا تجعل معيشتي كدًّا، واجعل لي في الأَرض جَدًّا) أَي: عِنًى وقال ابن عباس: المساجد هنا مكة التي هي القبلة، وسميت مكة المساجد لأَن كل أَحد يسجد إِليها، أَي: يتخذها قبلة له.