وهذا الارتباط بين الاستقامة على الطريقة وبين الرخاء والتمكين في الأرض حقيقة قائمة . وقد كان العرب في جوف الصحراء يعيشون في شظف , حتى استقاموا على الطريقة , ففتحت لهم الأرض التي يغدودق فيها الماء , وتتدفق فيها الأرزاق . ثم حادوا عن الطريقة فاستلبت منهم خيراتهم استلابا . وما يزالون في نكد وشظف , حتى يفيئوا إلى الطريقة , فيتحقق فيهم وعد الله .
وإذا كانت هناك أمم لا تستقيم على حقيقة الله , ثم تنال الوفر والغنى , فإنها تعذب بآفات أخرى في إنسانيتها أو أمنها أو قيمة الإنسان وكرامته فيها , تسلب عن ذلك الغنى والوفر معنى الرخاء . وتحيل الحياة فيها لعنة مشؤومة على إنسانية الإنسان وخلقه وكرامته وأمنه وطمأنينته [كما سبق بيانه في سورة نوح] . .
والحقيقة الثانية التي تنبثق من نص هذه الآية:هي أن الرخاء ابتلاء من الله للعباد وفتنة . ونبلوكم بالشر والخير فتنة . والصبر على الرخاء والقيام بواجب الشكر عليه والإحسان فيه أشق وأندر من الصبر على الشدة ! على عكس ما يلوح للنظرة العجلى . . فكثيرون هم الذين يصبرون على الشدة ويتماسكون لها , بحكم ما تثيره في النفس من تجمع ويقظة ومقاومة ; ومن ذكر لله والتجاء إليه واستعانة به , حين تسقط الأسناد في الشدة فلا يبقى إلا ستره . فأما الرخاء فينسي ويلهي , ويرخي الأعضاء وينيم عناصر المقاومة في النفس , ويهيئ الفرصة
من الآية 17 إلى الآية 19
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً (17) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19)
للغرور بالنعمة والاستنامة للشيطان !