وما ينطبق على الجن مما بينوه لقومهم , ينطبق على الإنس وقد قاله لهم الوحي بلسان نبيهم . .
الدرس الرابع:16 - 17 اعتراف الجن بآثار الهدى النافعة وآثار الضلال المدمرة
وإلى هنا كان الوحي يحكي قول الجن بألفاظهم المباشرة عن أنفسهم ; ثم عدل عن هذا النسق إلى تلخيص مقالة لهم عن فعل الله مع الذين يستقيمون على الطريقة إليه , وذكرها بفحواها لا بألفاظها:
(وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه , ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا) . .
يقول الله - سبحانه - إنه كان من مقالة الجن عنا:ما فحواه أن الناس لو استقاموا على الطريقة , أو أن القاسطين لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم نحن ماءا موفورا نغدقه عليهم , فيفيض عليهم بالرزق والرخاء . . (لنفتنهم فيه) . . ونبتليهم أيشكرون أم يكفرون .
وهذا العدول عن حكاية قول الجن إلى ذكر فحوى قولهم في هذه النقطة , يزيد مدلولها توكيدا بنسبة الإخبار فيها والوعد إلى الله سبحانه . ومثل هذه اللفتات كثير في الأسلوب القرآني , لإحياء المعاني وتقويتها وزيادة الانتباه إليها .
وهذه اللفتة تحتوي جملة حقائق , تدخل في تكوين عقيدة المؤمن , وتصوره عن مجريات الأمور وارتباطاتها .
والحقيقة الأولى:هي الارتباط بين استقامة الأمم والجماعات على الطريقة الواحدة الواصلة إلى الله , وبين إغداق الرخاء وأسبابه ; وأول أسبابه توافر الماء واغدوداقه . وما تزال الحياة تجري على خطوات الماء في كل بقعة . وما يزال الرخاء يتبع هذه الخطوات المباركة حتى هذا العصر الذي انتشرت فيه الصناعة , ولم تعد الزراعة هي المصدر الوحيد للرزق والرخاء . ولكن الماء هو الماء في أهميته العمرانية . .