وهؤلاء الجن هم الذين يعوذ بهم رجال من الإنس ! وهم الذين يستعين بهم الإنس في الحوائج ! وهم الذين جعل المشركون بين الله - سبحانه - وبينهم نسبا ! وهؤلاء هم يعترفون بعجزهم وقدرة الله . وضعفهم وقوة الله , وانكسارهم وقهر الله , فيصححون , لا لقومهم فحسب بل للمشركين كذلك , حقيقة القوة الواحدة الغالبة على هذا الكون ومن فيه .
ثم يصفون حالهم عندما سمعوا الهدى , وقد قرروه من قبل , ولكنهم يكررونه هنا بمناسبة الحديث عن فرقهم وطوائفهم تجاه الإيمان:
(وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به) . .
كما ينبغي لكل من يسمع الهدى . وهم سمعوا القرآن . ولكنهم يسمونه هدى كما هي حقيقته ونتيجته . ثم يقررون ثقتهم في ربهم , وهي ثقة المؤمن في مولاه:
(فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا) . .
وهي ثقة المطمئن إلى عدل الله , وإلى قدرته , ثم إلى طبيعة الإيمان وحقيقته . . فالله - سبحانه - عادل , ولن يبخس المؤمن حقه , ولن يرهقه بما فوق طاقته . والله - سبحانه - قادر . فسيحمي عبده المؤمن من البخس وهو نقص الاستحقاق إطلاقا , ومن الرهق وهو الجهد والمشقة فوق الطاقة . ومن ذا الذي يملك أن يبخس المؤمن أو يرهقه وهو في حماية الله ورعايته ? ولقد يقع للمؤمن حرمان من بعض أعراض هذه الحياة الدنيا ; ولكن هذا ليس هو البخس , فالعوض عما يحرمه منها يمنع عنه البخس . وقد يصيبه الأذى من قوى الأرض ; لكن هذا ليس هو الرهق , لأن ربه يدركه بطاقة تحتمل الألم وتفيد منه وتكبر به ! وصلته بربه تهون عليه المشقة فتمحضها لخيره في الدنيا والآخرة .