وبالجملة فكل ما يمكن للإنسان أن يصل إليه بنفسه لا يكون من الغيب في شيء ؛ ولذا قال بعض الحكماء: لو كان من وظيفة النبيّ أن يبين العلوم الطبيعية والفلكية ، لكان يجب أن تعطل مواهب الحس والعقل ، وينزع الاستقلال من الْإِنْسَاْن ، ويلزم بأن يتلقى كل فرد من كل شيء بالتسليم ولوجب أن يكون عدد الرسل في كل أمة كافيا لتعليم أفرادها في كل زمن ما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم . وإن شئت فقل: لوجب أن لا يكون الْإِنْسَاْن هذا النوع الذي نعرفه . نعم ، إن الأنبياء ينبهون الناس بالإجمال إلى استعمال حواسهم وعقولهم في كل ما يزيد منافعهم ومعارفهم التي ترتقي بها نفوسهم ، ولكن مع وصلها بالتنبيه على ما يقوي الإيمان ويزيد في العبرة ، وقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى وجوب استقلالنا دونه في مسائل دنيانا في واقعة تأبير النخل إذ قال: ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) انتهى . فاحفظه فإنه من المضنون به على غير أهله . وقوله تعالى:
{لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} [28]
{لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} متعلق بـ {يَسْلُكْ} غاية له . والضمير إما لـ"الرصد"، وإما لـ {مَنِ ارْتَضَى} والجمع باعتبار معنى من ، أي: ليبلغوا ، فيظهر متعلق علمه . وإيراد علمه تعالى للعناية بأمر الإبلاغ ، والإشعار بترتيب الجزاء عليه ، والمبالغة في الحث عليه ، والتحذير عن التفريط فيه .
{وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِ} أي: بما عند الرصد ، أو الرسل عليهم السلام . حال من فاعل {يَسْلُكْ} جيء بها لتحقيق استغنائه تعالى في العلم بالإبلاغ عما ذكر من سلك الرصد .