{وأنّا كُنّا نَقْعُدُ منها مَقَاعِدَ للسّمْعِ} يعني أن مردة الجن كانوا يقعدون من السماء الدنيا مقاعد للسمع يستمعون من الملائكة أخبار السماء حتى يُلقوها إلى الكهنة فتجري على ألسنتهم ، فحرسها اللَّه حين بعث رسوله بالشهب المحرقة ، فقالت الجن حينئذٍ:
{فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رَصَداً} يعني بالشهاب الكوكب المحرق ، والرصد من الملائكة.
أما الوحي فلم تكن الجن تقدر على سماعه ، لأنهم كانوا مصروفين عنه من قبل.
{وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌ أُريدَ بمن في الأرضِ أمْ أرادَ بهم ربُّهم رَشَداً} فيه وجهان:
أحدهما: أنهم لا يدرون هل بعث الله محمداً ليؤمنوا به ويكون ذلك منهم رشداً ولهم ثواباً ، أم يكفروا به فيكون ذلك منهم شراً وعليهم عقاباً ، وهذا معنى قول السدي وابن جريج.
الثاني: أنهم لا يدرون حراسة السماء بالشهب هل شر وعذاب أم رشد وثواب ، قاله ابن زيد.
{وأنّا مِنّا الصّالحونَ} يعني المؤمنين.
{ومنّا دون ذلك} يعني المشركين.
ويحتمل أن يريد بالصالحين أهل الخير ، وب"دون ذلك"أهل الشر ومن بين الطرفين على تدريج ، وهو أشبه في حمله على الإيمان والشرك لأنه إخبار منهم عن تقدم حالهم قبل إيمانهم.
{كُنّا طَرائقِ قِدَداً} فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: يعني فِرقاً شتى ، قاله السدي.
الثاني: أدياناً مختلفة ، قاله الضحاك.
الثالث: أهواء متباينة ، ومنه قول الراعي:
القابض الباسط الهادي بطاعته... في فتنة الناس إذ أهواؤهم قِدَدُ
{وأنّا لّما سَمِعْنا الهُدَى آمَنّا به} يعني القرآن سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به وصدقوه على رسالته ، وقد كان رسول الله مبعوثاً إلى الجن والإنس.
قال الحسن: بعث اللَّه محمداً إلى الإنس والجن ولم يبعث الله تعالى رسولاً من الجن ولا من أهل البادية ولا من النساء ، وذلك قوله تعالى: {وما أرسَلْنا مِن قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} .