قال القرطبي: والعزين: جماعات متفرقة. ومنه الحديث الذي خرجه مسلم وغيره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوما فرآهم حلقا فقال: مالي أراكم عزين: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف.
وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآيات، أن المشركين كانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون إليه، ثم يكذبونه ويستهزئون به وبالمؤمنين، ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فلندخلنها قبلهم، وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم.
والمعنى: ما بال هؤلاء الكافرين مسرعين نحوك - أيها الرسول الكريم - وناظرين إليك بعيون لا تكاد تفارقك، وملتفين من حولك عن يمينك وعن شمالك، جماعات متعددة، ومظهرين التهكم والاستهزاء بك وبأصحابك؟
ما بالهم يفعلون ذلك مع علمهم في قرارة أنفسهم بأنك أنت الصادق الأمين»
وقدم - سبحانه - الظرف قِبَلَكَ الذي بمعنى جهتك، على قوله مُهْطِعِينَ للاهتمام، حيث إن مقصدهم الأساسى من الإسراع هو الاتجاه نحو النبي صلى الله عليه وسلم للاستهزاء به وبأصحابه.
والمراد بقوله: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ: جميع الجهات، إلا أنه عبر بهاتين الجهتين، لأنهما الجهتان اللتان يغلب الجلوس فيهما حول الشخص.
وقوله: عِزِينَ تصوير بديع لالتفافهم من حوله جماعات متفرقة في مشاربها، وفي مآربها، وفي طباعها.
والاستفهام في قوله - تعالى - أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ للنفي والإنكار.
أي: أيطمع كل واحد من هؤلاء الكافرين أن يدخل الجنة التي هي محل نعيمنا وكرامتنا بدون إيمان صادق، وبدون عمل نافع .. ؟
وقوله - سبحانه - كَلَّا ردع لهم وزجر عن هذا الطمع، أي: كلا ليس الأمر كما يزعمون من أنهم سيدخلون الجنة قبل المؤمنين أو معهم أو بعدهم .. وإنما هم سيكون مأواهم جهنم وبئس المصير.
وقال - سبحانه -: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ولم يقل: أيطمعون أن يدخلوا الجنة، للإشعار بأن كل واحد من هؤلاء الكافرين كان طامعا في دخولها، لاستيلاء الغرور والجهالة على قلبه.