وجملة إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ تأكيد لهذا الردع والزجر، وتهوين من شأنهم، وإبطال لغرورهم، وتنكيس لخيلائهم بأسلوب بديع مهذب .. لأنه مما لا شك فيه أنهم يعلمون أنهم قد خلقوا من ماء مهين، ومن كان كذلك فلا يليق به - متى كان عاقلا - أن يغتر أو يتطاول.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ويجوز أن يراد بقوله: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ أي: من النطفة المذرة، وهي منصبهم الذي لا منصب أوضع منه. ولذلك أبهم وأخفى:
إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم، ويقولون:
لندخلن الجنة قبلهم.
وقيل: معناه إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد الجنة، إلا بالإيمان والعمل الصالح، فكيف يطمع في دخولها من ليس له إيمان وعمل.
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، وعلى زيادة التهوين من شأن هؤلاء الكافرين، والتحقير من أمرهم فقال: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ. عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ.
وجمع - سبحانه - هنا المشارق والمغارب، باعتبار أن لها في كل يوم من أيام السنة مشرقا معينا تشرق منه، ومغربا معينا تغرب فيه.
وقال في سورة الرحمن رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ أي: مشرق ومغرب الشتاء والصيف.
وقال في سورة المزمل: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ والمراد بهما هنا: جنسهما، فهما صادقان على كل مشرق من مشارق الشمس، وعلى كل مغرب من مغاربها.
وبذلك يتبين أنه لا تعارض بين مجيء هذه الألفاظ تارة مفردة، وتارة بصيغة المثنى، وتارة بصيغة الجمع.
وجملة إِنَّا لَقادِرُونَ: جواب القسم. أي: أقسم بالله - تعالى - الذي هو رب مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها .. إنا لقادرون قدرة تامة عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ أي: على أن نخلق خلقا آخر خيرا منهم ونهلك هؤلاء المجرمين إهلاكا تاما .. أو على أن نبدل ذواتهم، فنخلقهم خلقا جديدا يكون خيرا من خلقهم الذي هم عليه .. فإن قدرتنا لا يعجزها شيء.