قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قال: عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ثم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ؟. قلت: معنى دوامهم عليها، أن يواظبوا على أدائها، لا يخلون بها، ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل.
ومحافظتهم عليها: أن يراعوا إسباغ الوضوء لها، ومواقيتها، وسننها، وآدابها .. فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة، والمحافظة تعود إلى أحوالها.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء المؤمنين الصادقين، الذين حماهم - سبحانه - من صفة الهلع .. وصفهم بثماني صفات كريمة، منها: المداومة على الصلاة، والمحافظة على الإنفاق في وجوه الخير، والتصديق بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب، والحفظ لفروجهم، وأداء الأمانات والشهادات.
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم من عطاء جزيل فقال: أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ أي: أولئك المتصفون بذلك في جنات عظيمة، يستقبلون فيها بالتعظيم والحفاوة .. حيث تقول لهم الملائكة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.
وبعد هذه الصورة المشرقة لهؤلاء المكرمين .. أخذت السورة في تصوير موقف المشركين من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم إلى الحق، وفي تسليته عما لحقه منهم من أذى، وفي بيان أحوالهم السيئة عند ما يعرضون للحساب .. فقال - تعالى - .
[سورة المعارج (70) : الآيات 36 إلى 44]
(فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ(36)
والاستفهام في قوله - تعالى -: فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ للتعجيب من حال هؤلاء الذين كفروا، ومن تصرفاتهم التي تدل على منتهى الغفلة والجهل. و «ما» مبتدأ. و «الذين كفروا» خبره.
وقوله مُهْطِعِينَ من الإهطاع، وهو السير بسرعة، مع مد العنق، واتجاه البصر نحو شيء معين.
وعِزِينَ جمع عزة - كفئة - وهي الجماعة. وأصلها عزوة - بكسر العين - من العزو، لأن كل فرقة تعتزى إلى غير من تعتزى إليه الأخرى، فلامها واو، وقيل: لامها هاء، والأصل عزهة.