وكذلك المدعي عليه إذا عجز المدعي عن البنة كانت الدعو متوجهة ، ومما يشبه ، كما يقول المالكية: فإن المدعى عليه يقول لدى البينة والشهادة على عدم ثبوت ما ادعى به على ألا ، وهو خير الشاهدين.
تنيبه
ومن هنا يعلم حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: {من حلف بغير الله فقد أشرك} أي لأن الحالف يقيم المحلوف به مقام الشهود الذين رأوا أو سمعوا ، والمحلوف إذا كان غائباً لا يرى ولا يسمع ، فإذا حلف به كان قد أعطاه صفات من يرى ويسمع ، والحال أنه بخلاف ذلك ، ومن ناحية أخرى الحالف والمستحلف بالله يعلمان أن الله تعالى قادر على أن ينتقم من صاحب اليمين الغموس ، وغير الله إذا ما حلف به لا يقوى ولا قدر على شيء من ذلك والعلم عند الله تعالى.
فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37)
مهطعين: أي مسرعين نافرين ، وعزين جمع عزة ، وهم الجماعة ، أي ما بال أولئك الكفار المنصرفين عنك متفرقين ، وعليه قول الكميت:
ونحن وجندل باغ تركنا... كتائب جندل شتى عزين
وكذلك هنا فهم متفرقون عنه صلى الله عليه وسلم جماعات من كل جهة عن اليمين وعن الشمال. تفرقت بهم الأهواء وأخذتهم الحيرة كقوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 49 - 51] .
ونقل ابن كثير عن أحمد رحمه الله في أهل الأهواء ، فهم مخالفون للكتاب ، مختلفون في الكتاب ، متفقون على مخالفة الكتاب.
كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39)