والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن
فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئاً من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذباً على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلاً عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه
وبقوله {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}
والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري
والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره.
ثم قال تعالى {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين}
أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني.
الموضع الثاني قوله تعالى {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}
وفي معنى الآية للناس قولان:
أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه
أحدها أن هذا خرج جواباً لهم وتكذيباً لقولهم أن محمداً كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والإخبار بالغيوب
ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم