في يوم عيد الأضحى وأيام التشريق الثلاثة في منى حين ترمي الجمرات الثلاث يتأمل الحاج هذا الموقف؛ فيتذكر جهاد النفس مع هواها ومع الشيطان في كل حين، فهو يجري من النفس"كمجرى الدم من العروق"لينتصر عليه ويرد كيده ويحبط ألاعيبه، كما انتصر عليه في مواقع الجمرات الثلاث خليل الله إبراهيم -عليه السلام- وولده إسماعيل عليه السلام، وهو في كل مرة يصرفه عن ذبح فلذة كبده كما أراه تعالى في رؤيا الأنبياء الصادقة، ولم يتردد لحظة، بل ازداد في كل موقع منها تصميمًا وإصرارًا، حتى وضع السكين وحزَّه بشدة تنفيذًا لأمر ربه، وإذا بكبش الأضحية والفداء، ينزل من السماء ليفتدي به ابنه جزاء للصابرين والمحسنين، فكانت شريعة الأضيحة والفداء والهدي لمن ترك واجبًا من واجبات الحج، قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 102 - 107] ، ثم يتذكر الحاج الذبيح الثاني وهو عبد الله بن عبد المطلب أبو خاتم الأنبياء والمرسلين، حين افتداه زعماء مكة بذبح مائة من الإبل، لأن جده عبد المطلب حين تكاثر أبناءه أخذ على نفسه نذرًا أنه إذا رُزق بولد آخر وهو عبد الله فإنه سيقدمه قربانًا لنذره، فكان نبينا -صلى الله عليه وسلم-"وليد الذبيحين".
وحي الحلق والتقصير: