يقول الله -عز وجل- في الوقوف بعرفة بعد أن شرع فرضية الحج في قوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} يقول تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 197 - 199] ، وما أروع التصوير القرآني لتدفق الحجيج من عرفات إلى المزدلفة والمشعر الحرام كفيضان البحر وانسياب الماء، وقد تجردوا من ذنوبهم وتطهروا من أدرانهم كما يطهر الفيضان أعماق الماء من أدرانه ومخلفاته، ليصير بعد الفيضان ماء صافيًا مناسبًا رائقًا.
وفي الوقوف بعرفة يلتقي المسلمون في مؤتمر عام على قلب واحد يناجون ربًّا واحدًا، عرايا متجردين من الأعراض والأغراض لينالوا رحمة ربهم ورضوانه، ومتذكرين بهذا الموقف الصغير يوم الحشر الأكبر بلا معين ولا سند، أو بلا سلطان ولا ولد، أو بلا قوة ولا جاه ولا حسب، ليعدوا عدة لهذا الموقف العظيم، ومن أبرز خصائص هذا المؤتمر أنه مؤتمر سياسي واجتماعي واقتصادي وديني وثقافي في وقت واحد، وأنه يجمع بين أجناس العالم وألوانهم مع اختلافهم في المذاهب السياسية والاقتصادية، وأنه ينعقد دوريًّا مرة كل عام في أيام معلومات من السنة، فيمكن المسلمين من الاطلاع على ما انتهى إليه العالم من تطور وازدهار وعداوة ومأساة وعدوان في شتى المجالات العالمية.
رابعًا: طواف الإفاضة