الأمر ولهذا قال (وهو التحير في الأمر) مسامحة فالعمه والعمى متباينان عَلَى ما قرره
الْمُصَنّف؛ إذ العمه مختص بالباطن والعمى بالظَّاهر وما فهم من كلام الزَّمَخْشَريّ أن
العمى عام مطلق والعمه خاص حيث قال العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي
خاصة فبناء عَلَى أن العمى مجاز في عمى القلب لكنه لكونه مشتهرًا شائعًا صار حَقيقَة
عرفية فساق كلامه عَلَى هذا فبالنظر إلَى أصل الوضع كانا متغايرين واختاره المصنف
وبالنظر إلَى الاسْتعْمَال والْحَقيقَة الثانية كان الحال كما ذكره الزَّمَخْشَريّ العموم والخصوص
بين الْمَعْنَى اللغوي الحقيقي وبين الْمَعْنَى العرفي الحقيقي غير [مُتَعَارَف] .
قوله: (يقال رجل عامه وعمه) الأول اسم فاعل يقال للغير الثابت والثاني صفة مشبهة
يقال للثابت ولعل هذا مراده وذلك مقتضى الوضع ولا مانع في اسْتعْمَال أحدهما في موضع
الآخر لأمر خطابي وبابه من باب علم (وأرض عمهاء) لا منار لها أي لا علامة لها تدل عَلَى
الفوز بالمطلوب جعل خفاء العلامة عمهًا لها بطَريق الاسْتعَارَة والجامع عدم الاهتداء إذ
الظَّاهر أن كون الْأَرْض عمهاء كون سالكه عمها يرشدك إليه قولهم أي التحير والتردد ولا
ريب أن التحير ليس لأرض لم ينصب فيها الأمارات التي تدل عَلَى المطلوب من حجارة أو
شجر ونحوهما بل هُوَ لسالكها فمن قال. وأشار بقوله أرض عمهاء الخ. إلَى وصفه الأصلي
فمن قال إن هذا من توصيف المحل بوصف من فيه لم يصب فقد عدل عن النهج القويم إذ
لا معنى لكون الطريق في نفسه متحيرًا عمهاء كما لا يخفى عَلَى الفهم المستقيم.
قوله: (لا منار بها قال) أي الشاعر هُوَ رؤية أول البيت:
ومهمه أطرافه في مهمه
(أعمى الهدى بالجاهلين العمه) الواو بمعنى رب مفازة أطرافها متصلة بمفازة أخرى
أخفى المنار بالْقيَاس إلَى من لا دراية له بالمسالك فمعنى أعمى الهدى أخفى المنار عَلَى
أن أعمى صفة أفعل. وقيل أعمى صفة من عمي عليه الأمر التبس أي ملتبس الهداية إلَى
طرفها عَلَى من يجهل ويتحير فيها وقد يقال أعمى فعل ماض أي أخفى طرق الاهتداء
وعلى كل تقدير إسناد الإخفاء إلَى مهمه مجاز عقلي لسببيته ذلك بالجاهلين العمه جمع
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: أعمى الهدى بالجاهلين العمه أوله ومهمه أطرافه في مهمه. أعمى فعل ماضٍ أي أخفى
الطريق المستقيم عليهم أو صفة مشبهة أي خفي الطريق أو خفي المنار أي ملتبس العلامة للسالك
جعل خفاء العلامة عمى له بطَريق الاسْتعَارَة والعمه جمع عمه أو عامه أي رب مفازة لا تنتهي
أطرافها سعة في مفازة أخرى أخفى المنار وفي الكَشَّاف والعمه مثل العمى إلا أن العمى عام في
البصر والرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه ومنه قوله بالجاهلين العمه أي الَّذينَ
لا رأي لهم ولا دراية بالطرق وسلك أرضًا عمهاء لا منار بها.