مد الجيش فعل الله تَعَالَى بالتقدير الْمَذْكُور وجعل بعضهم هذا وجهًا ثالثًا من تأويلات
المعتزلة بناء عَلَى أن قوله أو مكن الخ. من تتمة الوجه الأول ولا خير فيه أخَّره وضعفه إما
لفظًا فلأن فيه احتياجًا إلَى تقدير كثير وكذا الوجه الثالث أو الثاني يحتاج إلَى التقدير ولذا
أخَّره عن المتقدم وقدمه عَلَى التأخّر وإما معنى فلأن المد في العمر للتنبيه والزّيَادَة في
الاستصلاح من الألطاف بأي حال كانا فلا يناسب عطف (يمدهم) بهذا الْمَعْنَى عَلَى
(يَسْتَهْزئُ بهمْ) الوارد وعيدا هذا وجه الضعف ووجه الصحة هُوَ أن هذه
الألطاف لما لم ينتفعوا بها كانت وبالًا عليهم فكان وزانها وزان الاسْتهْزَاء عَلَى أن التضاد
من أسباب صحة العطف ومعدود من الجوامع.
قوله:(والطغيان بالضم والكسر كلقيان ولقيان تجاوز الحد في العتو والغلو في
الكفر)إشَارَة إلَى أنهما كما سمعا في مصدر اللقاء كَذَلكَ سمعا في مصدر طغى نقل عن
الرَّاغب أنه قال الفرق بين الطغيان والعدوان أن العدوان تجاوز المقدار المأخوذ بالانتهاء
إليه والوقوف عنده والطغيان تجاوز المكان الذي وقعت فيه ومن أخل بما عين من المواقف
الشرعية والمعارف الْعَقْليَّة فلم يرعها فيما يتعاطاه فقد طغى ومنه طغى الماء أي تجاوز الحد
المعروف فيه انتهى. ومنه يعلم وجه اختيار الطغيان عَلَى العدوان هنا؛ إذ العدوان عَلَى التَّفْسير
الْمَذْكُور لا يتناول ارْتكَاب المناهي ظاهرًا لكن في اسْتعْمَال الشرع لا فرق بَيْنَهُمَا ولهذا قال
الْمُصَنّف (وأصله تجاوز الشيء عن مكانه) للتنبيه عَلَى أنه في الشرع تجاوز حدود الله تَعَالَى
التي هي مكان معنوي واجب الوقف فيه ومنهي التجاوز عنه وكذا العدوان في الشرع وقوله
(عن مكانه) أي متباعدًا عنه لأن المتعدى بـ (عن) إنما هُوَ بمعنى العفو والْمَغْفرَة قال عليه
السلام إنَّ اللَّهَ تجاوز عن أمتي. الْحَديث. أي عفا وكأنه ضمن التجاوز معنى التباعد هذا مآل
ما نقل عنه قدس سره ولا يبعد أن يقال إن كون التجاوز المتعدي بـ (عن) بمعنى عفا أَيْضًا
يتضمن معنى التباعد؛ إذ معنى عفا محو الجريمة من عفا إذا درس وهو يستلزم التباعد هذا
في المخلوق ظاهر، وأما في شأنه تَعَالَى فهو عبَارَة عن الستر وعدم المؤاخذة (قال تَعَالَى:
(إنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ) .
قوله: (والعمه في البصيرة كالعمى في البصر) أَشَارَ إلَى أن الْمُرَاد بالعمه هنا العمه
في البصيرة قوة القلب المنور بنور القدس يرى بها حقائق الأشياء وبواطنها بمثابة البصر
للنفس يرى بها صور الأشياء وظاهرها، والْمُرَاد بالبصر هنا الْقُوَّة المودعة في العصبتين
المجوفتين اللتين تتلاقيان ثم تتفرقان فتتآويان إلَى العين يدرك بها الأضواء والألوان
والأشكال وقد يطلق عَلَى إدراك العين وعلى العضو ولا يناسبان هنا؛ إذ العمى عبارة عن
فقد الْقُوَّة وإن كان العضو باقيًا فالعمه عبارة عن فقد تلك البصيرة وهو مستلزم التحير في
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: والغلو بالرفع عطف عَلَى تجاوز قوله وأصله تجاوز الشيء عن مكانه أي أصل معنى
الطغيان هذا الْمَعْنَى المطلق ثم استعمل في المقيد كتجاوز الحد في العتو.