(بمعنى يملي لهم) ويمهلهم وهو خير وإحسان وفعل الله تَعَالَى اتفاقًا وهذا الْمَعْنَى يمكن [إجراؤه]
على ظاهره عندهم كما يمكن عندنا، وإنما النزاع في أنه لا حذف ولا إيصال عندنا لأنه خلاف
الأصل ولهذا ذهب إليه الزجاج وتبعه البغوي وغيره من الْمُفَسّرينَ (ويمد في أعمارهم) .
قوله: (كي يتنبهوا) لما كانت أفعال الله تَعَالَى معللة بالأغراض وجارية عَلَى الوجه
الأصلح الواجب عليه تَعَالَى عَلَى زعمهم عللوا الإمهال بأن مده تَعَالَى في عمرهم ليتنبهوا
ويتوبون عن طغيانهم فيأبون إلا أن يعمهون فعلم أنه عَلَى هذا التقدير أن (في طغيانهم) ظرف
مُسْتَقرّ وقع حالا من الْمَفْعُول وكذا (يعمهون) متداخلتان أو مترادفتان، وأما عَلَى
الأول فهو ظرف لغو متعد بـ يمدهم ويعمهون حال (أو يطيعوا) فما زادوا إلا طغيانًا الحصر
مُسْتَفَاد من المقام لا من حاق الْكَلَام؛ لأن الإمهال لما ينفعهم بل أصروا عَلَى كفرهم الْمَاضي
(فـ) لا جرم إنهم (ما زادوا) بالعمر المزيد (إلا طغيانًا وعمها) زائدًا عَلَى طغيانهم [الحالي] إما
بحسب الكم أو بحسب الكَيْف قال تَعَالَى: (فزادتهم رجسًا إلَى رجسهم) الآية.
وهذا التوجيه من طرف المعتزلة وعندهم يجوز تخلف مراده تَعَالَى عن إرادته تَعَالَى كما يجوز
وجود ما لم [يشأ] الله تَعَالَى وجوده، فلا وجه لما قيل يلزم من هذا خلاف ما أراده الله تَعَالَى لأن
الاستصلاح إرادة الصَّلَاح ولا حاجة إلَى الْجَوَاب بأن الاستصلاح طلب الصَّلَاح والطلب غير
الإرادة فإنه مع عدم احتياجه إليه كون الطلب غير الإرادة مذهبنا مذهب أهل السنة والْكَلَام في
توجيه النظم عَلَى مذهب المعتزلة وعندهم الطلب عين الإرادة، وأما الإشكال بقَوْلُه تَعَالَى:(وما
خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)فدفعه الْمُصَنّف في تفسير هذه الآية. مع أنه
لا مساس لهذا الإشكال في هذا المقام (فحذفت اللام وعدي الْفعْل بنفسه كما في قَوْله تَعَالَى:
(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) .
قوله: (أو التقدير) هذا وجه رابع للمعتزلة أي أن (يمدهم) بفتح الباء من المدد كما
في الأول لكن الإمداد في الأول بمعنى زيادة الطغيان بسَبَب كفرهم وإصرارهم عَلَى
العصيان وهنا بمعنى زيادة أسباب الصَّلَاح قوله (استصلاحًا) تمييز عن النسبة وإشَارَة إلَى
تقدير ما في الْكَلَام من الْمَحْذُوف وهو ما به الامتياز هذا الوجه من الوجه الأول أي يزيد
سبب صلاحهم لكنهم ضيعوا ذلك [فبقوا] في الطغيان يعمهون وفي واد الضلال يهيمون
ولهذا قال (وهم مع ذلك يعمهون في طغيانهم) . وأَشَارَ إلَى أن في الطغيان متعلق بـ يعمهون
وهو خبر المبتدأ الْمَحْذُوف ولذا قال وهم مع ذلك قوله مع ذلك لاستيعاد ما صدر منهم
أي زيادة الله تَعَالَى عمرهم وإعطاؤهم المال والأولاد والصحة والفراغ والأمان وغير ذلك
من أسباب الصَّلَاح سبب نجاتهم عن ظلمة الكفر بالتأمل والنظر فعكسوا الأمر وجعلوا ذلك
سببًا لزيادة طغيانهم ولما انقطع في طغيانهم عن التعلق بـ يمدهم صح جعل المد المأخوذ من
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: (يمدهم) استصلاحًا أي طلبًا لصلاحهم والاستصلاح طلب الصَّلَاح
وهو ضد الاستفساد والمفسدة خلاف المصلحة.