يوردون الشبهات ويدعون أنها من القطعيات لابتلائهم بالجهل المركب أليس لنا مساغ أن
ينبه عَلَى مَوْضع ذلك والأمر كَذَلكَ فإن الزَّمَخْشَريّ ومن قبله من رؤساء المعتزلة يتصدون
لبيان مسالكهم الباطلة بالمزخرفات الفارغة زعما منهم أنها من البراهين اليقينية ونحن
معاشر أهل السنة نبين وهنهم وفسادهم في تبين مدعاهم فالإشكال بمثل هذا من سوء الفهم
أو من استلاء الوهم (ومصداق ذلك أنه لما أسند المد إلَى الشَّيَاطين) ومصداق الشيء ما
يصدقه ويحققه ويبين أنه واقع بكسر الميم اسم فاعل بصيغَة المُبَالَغَة لا اسم آلة. نعم قد
يكون مصدرا كمسعاة واسم زمان أو مكان كميعاد وميقات قوله (أطلق الغي) ولم يقيده
بالْإضَافَة و (قال(وإخوانهم يمدونهم في الغي) إذ توهم أن إسناد
الْفعْل إلَى الشَّيْطَان لا يضر هنا فعلم أن إضافة الطغيان إليهم تفيد أن إسناد الْفعْل إليه ليس
على الْحَقيقَة وهذا ليس بشيء لأن اللام في الغي عوض عن الْمُضَاف إليه أي في غيهم وقد
اعترف لذلك الزَّمَخْشَريّ في غير هذا المَوْضع فتعريف اللام والْإضَافَة متقاربان ولأن
الإسناد إلَى الشَّيْطَان ليس عَلَى الْحَقيقَة؛ إذ المد في الطغيان وهو الإصرار عَلَى الكفر فعل
الكفرة عَلَى الْحَقيقَة وقولهم إنه فعل الشَّيْطَان بناء عَلَى العرف فالإسناد إلَى الشَّيْطَان مجاز
أَيْضًا وقد مَرَّ هذا البحث عَلَى وجه التَّفْصيل.
قوله: وقيل أصله يمد لهم) عطف عَلَى لما منعهم وجواب وجه ثالث من التأويلات
وهو قول الجبائي. وحاصله أنه من مد العمر بالحذف والإيصال وإليه أشار بقوله وأصله يمد لهم
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: أو كان أصله يمد لهم عطف عَلَى قوله من مد الجيش قال الزجاج: (يمدهم)
يمهلهم وكذا عن الواحدي وغيره، فعلى هذا يكون من باب الحذف والإيصال كما في
(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) أي من قومه وبعض المعتزلة لما وافقوا الْمُفَسّرينَ في
جعل (يمدهم) أي يمهلهم وكان ذلك يخالف ما اختاره صاحب الكَشَّاف من معنى المدد أورده
على طريق السؤال والْجَوَاب ليبين وجه ما عنده من المحمل الصحيح فقال فإن قلت: فما حملهم
على تفسير المد في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟ قلت استجرهم إلَى
ذلك خوف الإقدام عَلَى أن يسندوا إلَى الله ما أسند إلَى الشَّيَاطين ولكن الْمَعْنَى الصحيح ما طابقه
اللَّفْظ وشهد بصحته وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام ومن حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه
المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم عَلَى حسنه والبلاغة عَلَى كمالها وما وقع به التحدي سلما
من القادح فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة عَلَى مراحل. قوله ولكن
الْمَعْنَى الصحيح إشَارَة إلَى ترجيح ما ذهب إليه عَلَى ما ذهبوا إليه. قال الفاضل أكمل الدين ولعمري
إن قولهم أرجح لأنه يتمشى بتعدية الْفعْل بنفسه بعد حذف اللام وإن كان ضعيفًا، وأما ما ذهب إليه
فلا يستقيم إلا بما علمت من ركوب الشطط ووضع الغرية. والأروى جمع أروية وهي الأنثى من
الوعول وثلث أراوي عَلَى وزن أفاعل فإذا كثرت فهي الأروى عَلَى أفعل بغير قياس وهو مثل في
التباين بين الأمرين فإن الوعل سكن الجبال والعام البوادي والأحسن في ذلك المثل الجمع بين
الضب والنون ومن في أمال هذا متعلق مضاف مَحْذُوف وليس حالًا لوقوعه بعد المبتدأ مثل أنت
مني بمنزلة هارون من مُوسَى أي نسبتك أو قرابتك مني وتعاهد الشيء وتعهده التحفظ.