بذكر اسم الجلال لتربية المهابة من الملك المتعال والنُّكْتَة الأولى بتقديم اللفظة الجليلة
على الخبر الفعلي كما فصلناه سابقًا واختار الفصل عَلَى الوصل لكونه جوابًا لسؤال مقدر
ومواقع الاسْتئْنَاف ولو استقرأت لا يحسن مثل هذه النُّكْتَة بل لا يصح في بعضها ولو كان
هذا مقتضى الاسْتئْنَاف لوجب تحققها ووجب التَّنْبيه عليها مع أنهما لا يتعرضان في أكثر
المواضع بحسبما يقتضيه المقام والعلم عند الله الملك العلام.
قوله: (ولعله لم يقل الله مستهزئ بهم ليطابق قولهم) تعليل للمنفي والعلة تَحْصيلية
قوله: (إيماء) تعليل للنفي (بأن الاسْتهْزَاء يحدث حالًا فحالًا) أي بأن اسْتهْزَاء الله تَعَالَى بأي
معنى من الْمَعَاني الْمَذْكُورة هُوَ اللائق بجلاله والمتصف به لكن إرادة التجدد في الْجَزَاء في
الْآخرَة منظور فيه؛ إذ الأدلة الساطعة ناطقة بأن عذابهم وحجابهم لا ينقطع طرفة عين في دار
البوار ليس لهم راحة [تقر بها] الأبصار، والحمل عَلَى الْجَزَاء الدنيوي فقط لا مساغ له أصلًا
إلا أن يراد أن التجدد والحدوث حاصل في بعض الاحتمالات وهذا كاف في اختيار صيغة
الْفعْل المستقبل دون اسم الْفَاعل. وجه الإيماء بحدوث الاسْتهْزَاء أن [الفعل] الْمُضَارِع لكونه
دالًا عَلَى الزمان المستقبل والحال الذي يتجدد شَيْئًا بعد شيء وناسب أن يقصد به إذا وقع
موقع غيره أن معنى المقارن كَذَلكَ يحدث عَلَى منواله مستمرًا اسْتمْرَارًا تجدد بـ إلا ثبوتيًا
كما في الْجُمْلَة الاسمية كذا نقل عنه قدس سره والْفعْل الْمُضَارِع المثبت يدل عَلَى وقوع
الحدث في جزء من أجزاء المستقبل، وأما عَلَى اسْتمْرَاره فلا والزمان المستقبل كونه متجددًا
آنًا فآنًا لا يقتضي تجدد ما هُوَ [مقارن] لذلك الزمان بل اسْتمْرَار الْفعْل المثبت باسْتمْرَار
سببه وهنا كَذَلكَ لأنهم لما أصروا عَلَى [استهزائهم بالْإسْلَام] والْمُسْلمينَ [عوقبوا] عَلَى ذلك
بالاسْتمْرَار التجددي في كل حين فدلالة صيغة المستقبل عَلَى ذلك بمعونة مثل ما ذكرناه
وإلا ففي بعض المواضع يدل عَلَى الدوام [كعلم] الله بالتعلق القديم والحادث وفي بعضها
بدل عَلَى الانقطاع ثم ما ساقه الْمُصَنّف من النُّكْتَة في اختيار الْمُضَارِع بناء عَلَى أن الْجُمْلَة
الاسمية التي خبرها فعل لا يدل عَلَى الدوام والثبات وإلا فالْجُمْلَة اسمية تدل عَلَى
الاسْتمْرَار الدوامي.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: ولعله لم يقل الله مستهزئ بهم الخ. يعني كان مقتضى الظَّاهر في مسند الْجُمْلَة أن يقال
الله مستهزئ بهم ليطابق قولهم: (إنما نحن مُسْتَهْزئُونَ) لكن خولف وعدل عن
الظَّاهر إلَى جعل المسند في الْجَوَاب فعلًا مضارعًا ليدل عَلَى الاسْتمْرَار التجددي وهو أبلغ من
الاسْتمْرَار الدوامي الذي تعطيه الْجُمْلَة الاسمية التي مسندها اسم لأن النفس إذا اعادت الشيء ألفته
ولا تحب مفارقته وإن كان ذلك الشيء من قبيل المشقة والعناء والتعب والبلاء كما قال الشاعر:
الفت الضنا مما تطاول مكثه ... فلو زال عن جسمي بكته الجوارح