لم يصدر بذكر الله وحده إلا للدلالة عَلَى أن الله تَعَالَى يكفي مؤنة عباده الْمُؤْمنينَ وينتقم
لهم ولا يحوجهم إلَى معارضة الْمُنَافقينَ تعظيمًا لشأنهم هكذا قرره قدس سره فيفهم ذلك
بلا ملاحظة حصر. قلنا إن أريد بذكر الله وحده ذكره تَعَالَى مع الحصر فهو مسلم ومفيد لنا
وإن أريد ذكره وحده دون ذكر غيره فنمنع الدلالة الْمَذْكُورة والمسند ظَاهر؛ إذ مجرد ذكر
الشيء بدون اعتبار الحصر لا ينفي ما عداه كما هُوَ المقرر عندهم بل لا يبعد أن يقال إنه
قدس سره أشار بقوله ولا يحوج الْمُؤْمنينَ إلَى الحصر لكونه بصدد توضيح كلام الكَشَّاف
والْقَوْل بأن تَخْصيص الاسْتهْزَاء بالله تَعَالَى ونفيه [عن] الْمُؤْمنينَ يقتضي ظاهرًا اتحاد معنى
الاسْتهْزَاء وليس كَذَلكَ بل اسْتهْزَاء الله تَعَالَى إنزال الهوان واسْتهْزَاء الْمُؤْمنينَ مجرد السخرية
ومن اختار الحصر احتاج إلَى التَّكَلُّف في التوجيه ضعيف. أما أولًا فلأنه لا نسلم اتحاد
معنى الاسْتهْزَاء عَلَى تقدير التَّخْصِيص؛ إذ قصر الْفعْل عليه تَعَالَى خلقًا ونفيه عن غيره تَعَالَى
كسبًا شائع ذائع، وَأَيْضًا قصر الصّفَة بمعنى كالقدرة مثلًا عليه تَعَالَى ونفيها عن غيره تَعَالَى
بالْمَعْنَى الآخر مشتهر، ولا ريب في تفاوت الصفتين فالتَّخْصِيص لا يقتضي الاتحاد من كل
وجه ولأرباب الحواشي نزاع في أن القصر هنا مطلوب والظَّاهر أن كلام الْمُصَنّف بناء عَلَى
اعتبار الحصر مثل قول صاحب الكَشَّاف ورأيه.
قوله: (وإن اسْتهْزَاءهم لا يؤبه به) هذا الوجه لبيان أن هذا الاسْتئْنَاف لم يصدر إلا
بذكره تَعَالَى عَلَى أن اسْتهْزَاءه بالْمُنَافقينَ هُوَ الاسْتهْزَاء الكامل الذي لا اعتداد معه
باستهزائهم لصدوره عمن تضمحل قدرتهم وعلمهم في جنب علمه وقدرته تَعَالَى وهذا
معنى قوله لا يؤبه لضم الياء التحتية وهمزة ساكنة يجوز أن تدل واوا أو بناء موحدة مفتوحة
وهاء أي لا يعد به لحقارته واضمحلاله وتعديته بالباء لكونه بمعنى الاعتناء، وإنما قال(في
مقابلة ما يفعل الله بهم)ليعم الْوُجُوه الْمَذْكُورة في توجيه (يستهزئ) وأنت
خبير بأن ما ذكره في بأن وجه الاسْتئْنَاف وترك العطف يتم أَيْضًا عَلَى تقدير العطف إذ
مداره أن يصدر الاسْتئْنَاف بذكره تَعَالَى وأجاب بعضهم بأن الاسْتئْنَاف يدل عَلَى أن اسْتهْزَاء
اللَّه تَعَالَى بمكان بعيد عن استهزائهم بحَيْثُ لا مناسبة بَيْنَهُمَا حتى يعطف أحدهما عَلَى
الآخر وهذا عجيب؛ إذ العطف لو اقتضى ذلك لما حسن العطف في قَوْله تَعَالَى:(وَللَّه الْعزَّةُ
وَلرَسُوله وَللْمُؤْمنينَ)إذ لا مناسبة بين عزة الله تَعَالَى وعزة الرَّسُول وعزة
الْمُؤْمنينَ فعزة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ والْمُؤْمنينَ أَيْضًا كَذَلكَ لأن العزة للَّه جَميعًا، وقوله
تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَن اتَّبَعَكَ منَ الْمُؤْمنينَ) وشتان ما بين
كفاية الله تَعَالَى وكفاية الْمُؤْمنينَ ونظائره لا تحصى بعد العادين. وبالْجُمْلَة ما ذكره الشيخان
في وجه اختيار الاسْتئْنَاف وعدم العطف من النكتتين لم يظهر لنا وجهه بل النُّكْتَة الثانية
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: لا يؤبه له قال صاحب النهاية في الْحَديث لا يؤبه له أي لا يحتمل ولا يبالي به قال
عيه الصلاة وَالسَّلَامُ رُبَّ ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم عَلَى الله لأبره.