قوله: (وذلك) أي ما ذكر (قَوْلُه تَعَالَى) بتقدير مضاف(فاليوم الَّذينَ آمَنُوا من الْكُفَّار
يضحكون)أي معنى هذه الآية. لكن عَلَى احتمال مرجوح كما نقله هناك بقوله
وقيل الخ. اعلم أن إسناد الاسْتهْزَاء وإن صح في حقه بالْمَعْنَى الذي مَرَّ تَوضيحُهُ لكنه إطلاق
المستهزئ لا يصح عليه تَعَالَى. قال الْمُصَنّف في سورة البقرة وإن التعليم يصح إسناده إليه تَعَالَى
وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاخْتصَاصه بمن يعترف به انتهى. وهذا أولى بعدم صحة
الإطلاق ولا يصح إطلاق الخادع لأن صحة إطلاق الاسم عليه حين ورود إطلاقه في الشرع
شرطها أن لا يكون ذلك الإطلاق بالمشاكلة بإطلاق الخادع ونحرد إنما هُوَ بطَريق المشاكلة أو
الاسْتعَارَة في قَوْله تَعَالَى: (وهو خادعهم) وهذا أي عدم صحة إطلاق الاسم أو
الصّفَة عليه تَعَالَى إذا أطلق عليه تَعَالَى في الشرع بطَريق المشاكلة مما بينه المحقق التفتازاني في
شرح المقاصد فيما قاله البعض فلا مانع) إطلاق المستهزئ عليه تَعَالَى كما أطلق الخادع ونحوه
في قوله (وهو خادعهم) و (خير الماكرين) تضعيف؛ لأنه بناء
على عدم التفرقة بين الإطلاق بالمشاكلة وبينه بدون مشاكلة والجواز في الثاني دون الأول.
قوله: (وإنما استؤنف به) أي بالاسْتئْنَاف البياني فهو جواب سؤال مقدر نشأ من
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وإنما استؤنف ولم يعطف [ليدل] الخ. قال صاحب الكَشَّاف وهو اسْتئْنَاف في غاية الجزالة
والفخامة وفيه أن الله عز وجل هُوَ الذي يَسْتَهْزئُ بهمْ الاسْتهْزَاء الأبلغ الذي ليس استهزاؤهم
بالنسبة إليه باسْتهْزَاء ولا يؤبه له في مقابلته لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل
وفيه أن الله هُوَ الذي يتولى الاسْتهْزَاء بهم انتقامًا للْمُؤْمنينَ ولا يحوج الْمُؤْمن أن يعارضوهم
باسْتهْزَاء مثله تم كلامه. إما أنه اسْتئْنَاف فلأن حكاية حال الْمُنَافقينَ مما يحرك السامعين أن يسألوا ما
مصير أمرهم وكَيْفَ معاملة الله إياهم فلم يكن من البلاغة تعرية الْكَلَام عن الْجَوَاب، وأما جزالته
فلأن مقتضى المقام أن يعاملهم الْمُؤْمنُونَ بالاسْتهْزَاء كما في قَوْله تَعَالَى:(إنَّ الَّذينَ أَجْرَمُوا كَانُوا
منَ الَّذينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ)إلَى قَوْله (فَالْيَوْمَ الَّذينَ آمَنُوا منَ الْكُفَّار يَضْحَكُونَ)
فلما نسب الاسْتهْزَاء إلَى الله عز وجل أفاد جزالة وفخامة كذا ذكره بعض
الشارحين لهذا المقام وفيه نظر لأن نسبة الاسْتهْزَاء إلَى الله تَعَالَى دلت عَلَى قوته وشدته أو دوامه
لأنه لا يقدر عَلَى دفعه دافع ودلالته عَلَى جزالة الاسْتئْنَاف ممنوعة لأن معنى الشدة والدوام إنما
يستفاد من إسناد الاسْتهْزَاء إلَى الله تَعَالَى لا من الاسْتئْنَاف؛ إذ لو أورد هذا التركيب لا عَلَى طريق
الاسْتئْنَاف أفاد الْكَلَام هذا الْمَعْنَى أَيْضًا فالوجه أن يقال في جزالة الاسْتئْنَاف أنه قد ظهر من كلامه
على مذهبه أن الاسْتهْزَاء هَاهُنَا ليس عَلَى حقيقته، وإنما هُوَ مَجَاز مُرْسَل أو اسْتعَارَة أو مشاكلة وكل
ذلك مما يوجب بلاغة في الْكَلَام فإذا انضم إلَى ما هُوَ مثله في ذلك بطَريق الاسْتئْنَاف جوابًا
للسؤال أفاد جزالة وفخامة فإن ذهبت إلَى جزالته وفخامته من حيث اشتماله عَلَى ما دل عليه بقوله
وفيه من الفائدتين لم ينكر ذلك مع بعد لنبو التركيب عنه ظاهرا لأن عطف قوله وفيه عَلَى ما قبله
يرشدك عَلَى أن معنى الفخامة حاصل بدون هاتين الفائدتين أو أنهما زائدتان عَلَى معنى المعناهة عَلَى