فإذا بعث الله المؤمن يوم القيامة، رأى من انشراح صدره وسعته ما لا نسبة لما قبله إليه، فشرح الصدر كما أنه سبب الهداية، فهو أصل كل نعمة، وأساس كل خير، وقد طلب موسى من ربه أن يشرح له صدره، لما علم أنه لا يتمكن من تبليغ رسالة الله إلا بشرح صدره فـ: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) } [طه: 25 - 28] .
أما الأسباب التي تشرح الصدور فهي نور يقذفه الله في القلب، فإذا دخله ذلك النور اتسع بحسب قوة النور وضعفه، وإذا فقد ذلك النور أظلم وضاق، وهو هبة من الله تعالى.
والأمر كله لله، والخير كله بيديه، وليس مع العبد من نفسه شيء، بل الله واهب الأسباب ومسبباتها، يمنحها من يشاء، ويمنعها من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالته.
وإذا أراد الله بعبده خيرًا، وفقه لاستفراغ وسعه، وبذل جهده، فيما يحبه الله ويرضاه، وفي الرغبة إليه، وفي الرهبة منه.
وبقدر قيام الرغبة والرهبة في القلب يحصل التوفيق للعبد، والرغبة في الطاعات، والحذر من المعاصي.
والرغبة والرهبة بيد الله لا بيد العبد، وهما مجرد فضل الله ومنته.
يجعلهما الله في المحل الذي يصلح لهما، ويليق بهما، ويحبسهما عما لا يصلح لهما، ولا يليق بهما.
فإن قيل فما ذنب من لا يصلح؟.
قيل: أكثر ذنوبه أنه لا يصلح، لأن صلاحيته بما اختاره لنفسه، وآثره وأحبه من الضلال والغي على بصيرة من أمره.
فآثر هواه على حق ربه ومرضاته، واستحب العمى على الهدى، وكان كفر المنعم عليه بصنوف النعم، وجحد إلهيته، والشرك به، والسعي في مساخطه، أحب إليه من شكره وتوحيده، والسعي في مرضاته، فهذا من عدم صلاحيته لتوفيق خالقه ومالكه.
وأي ذنب وإعراض فوق هذا؟.
فإذا أمسك الحكم العدل توفيقه عمن هذا شأنه، كان قد عدل فيه، وانسدت عليه أبواب الهداية، وطرق الرشاد، فأظلم قلبه، فضاق عن دخول الإسلام والإيمان فيه.