فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره .. واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره .. واطمأنت إلى لقائه ووعده .. واطمأنت إلى قضائه وقدره .. واطمأنت إلى كفايته وحسبه .. واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسماء الله وصفاته .. واطمأنت بأن الله وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها .. ومالك أمرها كله .. وأن مرجعها إليه .. وأنه لا غنى لها عنه طرفة عين .. واطمأنت إلى الرضى بالله ربًا .. وبالإسلام دينًا .. وبمحمد رسولاً.
والنفس الأمارة بالسوء هي التي بضد ذلك تأمر صاحبها بالسوء .. وبما تهواه من شهوات الغي والباطل .. فهي مأوى كل سوء .. وإن أطاعها العبد قادته إلى كل قبيح .. وساقته إلى كل مكروه .. وهي التي ذكرها الله بقوله: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) } [يوسف: 53] .
وعادة النفس ودأبها الأمر بالسوء إلا إذا رحمها الله، وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله لا منها، فإنها بذاتها أمارة بالسوء، لأنها في الأصل خلقت جاهلة ظالمة إلا من رحمه الله، والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك.
فإذا الله لم يلهمها رشدها، بقيت على ظلمها وجهلها، فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم.
فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة كما قال سبحانه: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) } [النور: 21] .
وسبب الظلم إما جهل .. وإما حاجة.
والنفس في الأصل جاهلة، والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء لازمًا لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله.
فإذا أراد الله بها خيرًا جعل فيها ما تزكو به من الإيمان والأعمال الصالحة.
وإن لم يرد بها ذلك تركها على حالها التي خلقت عليها من الجهل والظلم.
أما النفس اللوامة فهي اللؤم كما أخبر الله عنها بقوله: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) } [القيامة: 1، 2] .
فكل نفس تلوم نفسها يوم القيامة: