وفرقة أخرى وقعت في الإباحة، وطووا بساط الشرع، ورفضوا الأحكام، وسووا بين الحلال والحرام.
فبعضهم يزعم أن الله مستغنٍ عن عمله فلِمَ يتعب نفسه؟.
وقال بعضهم: كلف العباد ما لا يطيقون من تطهير القلوب من الشهوات وحب الدنيا وذلك محال.
فلله كم أضل الشيطان من البشر بمثل هذه الخواطر والأفكار؟.
الصنف الثالث: أرباب الأموال.
والمغترون منهم فرق:
ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد والمدارس والقناطر، وما يظهر للناس، ويكتبون أسماءهم عليها، ليتخلد ذكرهم ويدعى لهم، ويظنون أنهم يغفر لهم بذلك، وهم مغرورون حيث بنوها من أموال محرمة، فهم قد تعرضوا لسخط الله في كسبها، وتعرضوا لسخطه في إنفاقها، وكتابة الأسماء تنافي الإخلاص، والله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا، والله أعلم بما في صدور العالمين.
وربما اكتسبت هذه الفرقة المال من الحلال، وأنفقت على المساجد، وهي
أيضًا مغرورة إما بالرياء، وحب الثناء، أو بالإسراف الذي زينه الشيطان بزخرفة المساجد ونقشها، والتي تشغل المصلين، وتخطف أبصارهم.
والمقصود من الصلاة الخشوع، وحضور القلب، وهذه الزخرفة تشغلهم عن ذلك، وتحبط ثواب أعمالهم. ووبال ذلك كله يرجع إليه، وهو مع ذلك يغتر به، ويرى أنه من الخيرات.
وطائفة أخرى من الأغنياء ينفقون الأموال في الصدقات على الفقراء والمساكين، ويطلبون بذلك المحافل الجامعة، ويرون إخفاء الفقير لما يأخذ منهم جناية عليهم، وكفرانًا لإحسانهم إليه.
ويكرهون التصدق في السر طلبًا لمحمدة الناس، وعلو الجاه عندهم.
وفرقة أخرى من الأغنياء اشتغلوا بحفظ، الأموال وإمساكها بحكم البخل، ثم هم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى النفقة كصيام النهار، وقيام الليل، وختم القرآن ونحو ذلك.
وهم مغرورون بذلك، لأن البخل المهلك قد استولى على قلوبهم.
وفرقة أخرى غلبهم البخل، فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقط، ثم إنهم يخرجون من المال الخبيث الرديء الذي يرغبون عنه، ويطلبون من الفقراء من يخدمهم، ويتردد في حاجاتهم، وكل ذلك من مفسدات النية، ومحبطات الأعمال.