أما (إنّ) فإن من شأنها أن تثقب السطح نافذة إلى الحقيقة، وتوصل الحكم إليها؛ كأنها عرق الدعوى اتصلت بالحق. مثلا: إن هذا كذا .. أي الحكمُ وهذه الدعوى ليست خيالية ولا مبتدعة ولا اعتبارية ولا مستحدثة؛ بل هي من الحقائق الجارية الثابتة. وما يقال من أن"إنّ"للتحقيق فعنوان لهذه الحقيقة والخاصية. والنكتة الخصوصية هنا هي أن"إنّ"الذي شأنه رد الشك والإنكار مع عدمهما فِي المخاطب للإشارة إلى شدة حرص النبي عليه السلام على إيمانهم.
وأما (الذين) فاعلم! أن"الذي"من شأنه الإشارة إلى الحقيقة الجديدة التي أحس بها العقل قبل العين، وأخذت فِي الانعقاد ولم تشتد، بل تتولد من امتزاج أشياء وتآخذ أسباب مع نوع غرابة. ولهذا ترى من بين وسائط الإشارة والتصوير فِي الانقلاب المجدد للحقائق لفظ"الذي"أسيرَ على الألسنة وأكثر دورانا. فلما أن تجلى مؤسس الحقائق وهو القرآن، اضمحل أنواعٌ ونقضت فصولُها وتشكلت أنواع اُخر وتولدت حقائق أخرى. اما ترى زمان الجاهلية كيف تشكلت الأنواع على الروابط الملّية وتولدت الحقائق الاجتماعية على العصبيات القومية؟ فلما أن جاء القرآن قطع تلك الروابط وخرب تلك الحقائق فأسس بدلاَ عنها أنواعاً، فصولها الروابط الدينية. فتأمل! .. فلما أشرق القرآن على نوع البشر تزاهر بضيائه وأثمر بنوره قلوب فتحصلت حقيقة نورانية هي فصل نوع المؤمنين. ثم لخبث بعض النفوس تعفنت فِي مقابلة الضياء تلك النفوسُ فتولدت حقيقة سمّية هي خاصة نوع مَن كفر ..
وأيضا بين"الذين"و"الذين"تناسب.
اعلم! أن الموصول كالألف واللام يستعمل فِي خمسة معان أشهرها العهد. فـ"الذين"هنا إشارة إلى صناديد الكفر أمثال أبي جهل وأبي لهب وأُمية بن خلف وقد ماتوا على الكفر. فعلى هذا فِي الآية إخبار عن الغيب. وأمثال هذا لمعاتٌ يتولد منها نوعٌ من الإعجاز من الأنواع الأربعة للإعجاز المعنوي.