القصصيين، الذين لا يحتج بما جاء في كتبهم إذا لم يرد في كتب أهل الحديث وكتب أهل السير المحققين.
(2) من ناحية التاريخ الذي استفدناه من الأحاديث والتراجم الدالة على أن جابرًا لم يتزوج إلا بعد قتل أبيه عبدالله شهيدًا في أحد في السنة الثانية التي كانت قبل غزوة الخندق بعام، والعام الواحد لا يتسع للزواج والحمل والرضاع فقط، فكيف يتسع لما هو أكثر ذلك وهو نشأة الولدين وتقدمهما في السن إلى حد أن أحدهما يتمكن من قتل أخيه على الصفة المذكورة في هذه القصة الموضوعة وبناءً على ذلك فأنا أنصح الأخ السائل بأن لا يطالع مثل هذه الكتب التي يغلب على أكثر قصصها الوضع أو الضعف الشديد، وعليه أن يطالع كتب السير الصحيحة أو القريبة من الصحة، وكذلك الكتب التي اهتمت بجمع المعجزات أو بجمع الخصائص النبوية ومن أحسن هذه الكتب كتاب (بهجة المحافل) في السير والمعجزات والخصائص والفضائل للعلامة العامري أحد علماء اليمن في القرن العاشر للهجرة النبوية على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، والذي عاش في مدنية حرض التي لا تبعد عن بلاد أفلح اليمن بلاد الأخ السائل إلا قليلًا، فهذا الكتاب من أفضل الكتب لمن أراد مطالعة السيرة النبوية والخصائص المحمدية والمعجزات الخارقة للعادة الواردة في كتب السنة النبوية، وقد نص السيوطي وغيره من الحفاظ على أن مؤلف البكري هذا لا يعمل به ولا يعتمد على ما فيه.
هذا ومن القصص التي رواها بعض القصاص ولم تصح عند علماء الحديث قصة الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع ولده أبي الشهبل التي رواها سعيد بن مروق وهي أن امرأة كانت تدخل على آل عمر ومعها صبي فقال لها عمر: ما هذا الصبي الذي معك؟ قالت: هو ابنك وقع على أبي الشحمة فهو ابنك فأرسل إليه عمر بن الخطاب رسولًا فلما وصل سأله عن الذي زعمته المرأه فأقره، فقال عمر لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه اجلده فجلده عمر خمسين جلده، وجلده علي خمسين جلده فقال أبو شحنة لأبيه عمر يا أبي قتلتني فأجابه عمر بقوله: إذا لقيت ربك فأخبره أن أباك يقيم الحدود فهذه القصة موضوعة لا أصل لها، وجاء في بعض روايات هذه القصة زيادة على ما ذكرته وهي التصريح بأن أبا شحمه مات من الضرب، وهذه الزيادة موضوعة أيضا كما نص على ذلك الحفاظ كالسيوطي في اللائي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة والحافظ البيروتي في أسنى المطالب.
وكذلك من القصص التي ذكرها بعض علماء السير ولم تصح عند الحفاظ قصة رحيل بلال بن رباح مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى بلاد الشام بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه رجع من الشام إلى المدينة بسبب أنه رأى النبي في المنام يعاتبه على تركه المدينة. وأن الحسن بن علي بن أبي طالب وأخاه الحسين رضي الله عنهما تعلقا به وترجيا منه أن يؤذن في مسجد المدينة كما كان يؤذن في أيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنه لما أذن وسمع الناس أذانه تذكروا أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - فبكوا ولا سيما عندما سمعوه يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله زاد بكاؤهم حتى ارتجت المدينة، فهذه القصة غير صحيحة بل هي من الأحاديث الضعيفة عند ابن كثير في البداية والنهاية والمزني في التهذيب والذهبي في الميزان وابن حجر العسقلاني في لسان الميزان، ومن الموضوعات عند آخرين كالمولى علي بن سلطان القاري والألباني وغيرهما.
هذا والجدير بالذكر أن من جملة من ذكر هذه القصة مطولة الدكتور/ البوطي في كتابه فقه السيرة وقد رد عليه الحافظ الألباني ردًا مطولًا في مؤلفه الذي سماه (دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على جهالات البوطي في كتابه فقه