وما من جمعية خيرية أنشئت في منطقة إلا وله يد فيها أو على الأقل تحريض غيره من أهل القدرة على فعل الخير. ولا يحب الظهور فأكثر نفقاته في السر. ولهذا السبب فيما أرى والله أعلم يلاحظ أن له قبولًا عند الجميع.
هذه الصفات والمواقف خاصة عند اشتداد حاجات اليتامى والأرامل جعلت دعوته نافذة ونصائحه صادقة حيث أن أفعاله تصدق أقواله.
هذه بعض المواقف التي سجلت له:
1)موقفه مع أحد طلاب العلم الذين تتلمذوا على يده في أيام العهد الإمامي، حيث أمر الإمام بهدم بيت هذا الطالب لجناية أحدثها. وفعلًا هدم هذا البيت بعد الحكم عليه بالإعدام ولكن تضرر بهدم البيت أهله وذووه وكان القاضي محمد من المراجعين لهذه العائلة حتى شهد بأن البيت ليس هو ملك هذا الطالب وحده وأنه ليس له غير نصيب من أبيه حتى تراجع الإمام وأصلح بيت والدة هذا الطالب.
وجعلت بعد ذلك هذه الوالدة تدعوا له والناس يشكرون له هذه السعاية الحميدة وكان القاضي محمد كثيرًا ما يذهب بالمساعدات المادية لهذه الأم تكرمة لذلك التلميذ ورحمة بها خاصة وقد أصبحت بلا عائل يعولها.
2)موقفه مع أحد طلاب العلم كان كثيرًا ما يعطيه القاضي ظرفًا ويقول له وصل هذه الرسالة هذا إذا كان بين طلاب العلم أما إذا كان وحده فيعطيه بدون تورية. وبعد تكرار هذا الموقف اتضح أنه من راتبه الشهري حيث وأن هذا الطالب فقير ومحتاج وكم ساعد غيره من طلاب العلم الذين يجيئون من الخارج في إيجاد أعمال ووظائف ليستقر بهم المقام حتى يطلبوا العلم بأمان.
لم يعد يخفى على كثير من الجماعات الإسلامية على ساحة العمل الإسلامي وما نتج عنها فهي تنخر في جسم الأمة على ما أصابها من أمراض الفرقة والتشرذم فزادتها وهنًا على وهنها وجرأت عليها أعدائها فهي الآن بهذه الأمراض مجتمعة لقمة سائغة لأعدائها، وجندت بعض الجماعات أفرادها للنيل من الجماعات الأخرى، ولتوسيع الهوة بينها فاحتار العامة في أمرها ولم يعد الحق يتبين مع أيٍّ منها، وغصت المكتبات بالكتب والرسائل والبحوث الداعية إلى هذه الجماعات ففرح الأعداء والمغرضون فأصبحوا يزكوا روح الخلاف والشقاق بينها.
وأصبح الكل ينادي بالاعتصام بالكتاب والسنة ولكن لا فائدة مرجوة من هذه الجماعات التي تذكي هذه الروح بين المسلمين والعلماء قد بينوا الحق ولكن الأذان صماء والقلوب غلف والأعين عمياء ويقف القاضي محمد العمراني موقف العالم الناصح والمرشد المشفق على جميع من في الساحة ممن ينتسبون إلى الإسلام فينادي بأعلى صوته: (ألا إن من أوجب الواجبات في هذا العصر وحده الصف والجماعة، وإن التفرقة من أقبح البدع وأشنعها) .
ولا يكاد يمر درس من دروسه إلا ويبدي النصح والإرشاد والتوجيه للجماعات والإنكار على كل من يسعى للفرقة والتحزب والدعوة إلى غير هدي المؤمنين.
وكم كرر النصح وطرق على المقولة المشهورة: (فلنجتمع على ما اتفقنا عليه من المسائل وليعذر بعضنا بعض فيما اختلفنا عليه من المسائل الفرعية الجزئية) ، وطالما بين لطلابه أن المسائل التي يختلف عليها أهل المساجد في زماننا هذا إنما هي مسائل ظنية وليست من المسائل القطعية وهذا من أخطر المحضورات الشرعية، ويتسم موقفه بوضوح في الحياء التام من الجماعات وعدم مهاجمة أيًا منها مما أكسبه حرص كل الجماعات أن يكون فيها، بل هذا الذي يحدث، فكثيرًا ما يدعى إلى ندوة أو مؤتمر تعقده الجماعة الفلانية فيذهب والحرج باد عليه.
مما يتميز به فضيلة القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني حفظه الله تعالى عن غيره من العلماء المعاصرين له في اليمن هو قوة حافظته وسعة إحاطته للحوادث التاريخية سواء منها ما كان قبل الإسلام من حياة العرب في جاهلية أو ما يتعلق بأخبار الأمم الماضية، أو ما يتعلق بحفظ نسب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عند أبيه عبد الله بن عبد المطلب حتى نبي الله آدم عليه السلام، أو ما يتعلق بمعرفة قبائل ورؤساء وأخبار القبائل العربية لا سيما قبيلة قريش التي بعث منها الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وكذا أخبار أحداث السيرة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام، والتاريخ الإسلامي وأخبار الدول الإسلامية في العصر الإسلامي سواء الدولة الأموية أو العباسية أو العثمانية.
أما ما يتعلق بأخبار التاريخ اليمني قبل الإسلام وبعد الإسلام وأخبار الدول المتعاقبة على اليمن ومعرفة أنساب وأسماء الأئمة الذين حكموا اليمن وأسرهم وحاشياتهم وسيرة كل واحد منهم وما حصل في أيامه من خير أو شر فلا يجاريه في معرفته وحفظه للأسماء والتواريخ أحدًا. بل هو أكثر علمًا واطلاعًا ومعرفة حفظًا لأسماء الحوادث والأشخاص والتواريخ من كبار المتخصصين