إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
ولقد روى القاضي أحمد بن سعيد الرياني أحد علماء الزيدية الكبار في القرن السادس للهجرة وممن تولى القضاء بصنعاء في عصر الإمام عبدالله بن حمزة رحمه الله عن الهادي يحيى بن الحسين الذي ينسب إليه المذهب الهادوي الزيدي بأنه (أي الهادي) أمر بجلد من صح عنده أنه يسب الخلفاء الراشدين وبعبارة أخص أمر بجلد من يسب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وقد ذكر هذه المسألة العلامة يحيى بن الحسين بن القاسم في كتاب المستطاب قال: وقد ذكرها العلامة ابن الوزير في الهداية. هذا ولو كانت هذه القصة المسئول عنها واقعة لما غفل عن ذكرها المؤرخون الذين جمعوا في كتبهم كل شاردة وواردة سواء من كان قد ألف في التاريخ الإسلامي العام المرتبة حوادثة على السنين كابن جرير وابن الأثير وابن كثير والمسعودي واليعقوبي وابن خلدون أو من ألف في تراجم الصحابة من العلماء الكبار الذين يعدون من أهل التاريخ ومن أهل السنة المهتمين بجمع تراجم الصحابة مرتبة على الحروف كالحافظ بن عبدالبر مؤلف الاستيعاب في تراجم الأصحاب وأبن الأثير مؤلف أسد الغابة وابن حجر العسقلاني مؤلف الإصابة في تمييز الصحابة بل لو كانت واقعة لاشتهرت شهرة عظيمة ولتناقلها المؤرخون وغيرهم خلفًا عن سلف لأنها من الحوادث الغريبة التي تتوفر الدواعي إلى نقلها ومن القصص النادرة التي تلفت نظر المؤلفين إلى تدوينها بل ولكونها من القصص التي تعارض الأحاديث النبوية بل والآيات القرآنية الدالة على أن الصحابة كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم. بل وتعارض أيضا ما يروى عن أبي بكر - رضي الله عنه - من الورع والتقوى والتأني والرصانة وعدم التسرع في الأمور كما تعارض ما روى عن علي - رضي الله عنه - من القوه والشجاعة وما كان يتحلى به من الأخلاق الفاضلة كما أنه كرم الله وجهه كان من أباة الضيم لا يعرف الذل إليه سبيلا ولا تعرف المحاباة إليه طريقًا فهؤلاء الذين وضعوا هذه القصة يحسبون أنهم يحسنون إلى أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - أو يظنون بعملهم هذا أنهم يحسنون صنعا بما اخترعوه وأن أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - بايع أبا بكر مكرها على هذه الصفة ولم يشعروا أنهم قد أساءوا إليه حيث اخترعوا قصة تدل على أنه كان محابيا أو جبانًا في حين أن الواقع بخلافه كيف لا وهو كان ممن لا يخاف في الله لومة لائم كما كان المثل الأعلى في الشجاعة والإقدام التي اجمع عليها اعداؤه فضلًا عن أحبائه فيا عجبًا من هؤلاء الكذابين المفترين على أصحاب سيد المرسلين بهذه الفرية التي تتنافى مع الدين والعقل والتاريخ ومثل ما جاء في هذا الاستفتاء ما كنت سمعته منذ مدة طويلة مثل هذه القصة بعينها ليزيد بن معاوية مع عمرو ابن العاص وهي أن معاوية كان قد أوصى ولده يزيد بأن لا ينزل القبر يواري أباه ويدخله اللحد وأمره بأن يقدم عمرًا لهذا العمل كاحترام له وتكريم فإذا نزل ولحده وحاول أن يطلع من القبر يكون من يزيد وجنوده وحراسه الأمر لعمر بأن يبايع يزيدًا وهو في القبر ولا يمكنه من الطلوع إلا بعد أن يبايع يزيد خليفة للمسلمين وإذا لم يبايع ضربه الحراس بسيوفهم وقالوا أن يزيد عمل هذه العملية فتمكن من أخذ البيعة من عمرو بن العاص تحت الضغط والتخويف إلى آخر القصة المخالفة للتاريخ من وجهين:
الأول: أن عمرو بن العاص كان قد توفي بمصر قبل معاوية بـ 17 عامًا فكيف يحضر دفن معاوية في دمشق عاصمة الخلافة الإسلامية أو عاصمة الدولة الأموية في ذلك العصر بعد أن توفي في الفسطاس عاصمة الديار المصرية في ذلك العصر سنة 43 هـ.
الثاني: أن يزيد بن معاوية كان في اليوم الذي توفي فيه والده ودفن في مدينة دمشق كان خارج مدينة دمشق ولم يحضر موت والده ولا دفنه ولا الصلاة عليه وإنما سمع بموت والده وهو خارج العاصمة المذكورة مسافرًا قافلًا من سفره إلى دمشق بعد أيام من موت والده وبعد دفنه ذهب إلى قبر والده وصلى على قبره كما جاء في كتب التاريخ فكيف يروون عنه هذه الرواية