جـ: اعلم بأنه ينبغي لمن كان قد قرأ الفاتحة والقدر الواجب من القراءة بعدها وأحصر في القراءة ولم يدري بآخر الآية أو بالآية التي بعدها ولم يفتح عليه أحد من المؤتمين فهو مخير بين أن ينتقل إلى سورة أخرى أو أن يركع، والقدر الواجب بعد الفاتحة هو ثلاث آيات عند بعض العلماء وآية واحدة عند آخرين هذا والله الموفق.
س: نحن في قرية في لواء حجة إمام الجامع يقرأ في الركعتين الأوليتين الفاتحة وسورة قصيرة. وأما الركعة الثالثة فلا يقرأ فيها قرآنًا وإنما يسبح ويهلل وعندما أخبرناه أنه لا بد من قراءة الفاتحة أفاد أنه على حق وأنه لا يُقرأ في الثالثة والرابعة الفاتحة ولم يساعدنا على ما قلناه من قراءة الفاتحة. فماذا نصنع؟
جـ: هذا الذي عمله هذا الإمام من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير في الركعتين الأخيرتين من الصلاة هو المذهب المروي عن إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وهما من أعلام التابعين، وهو مذهب علماء الزيدية في"مجموع الغمام"لزيد بن علي الذي رواه عنه أبو خالد الواسطي وهو أيضًا في"أصول الأحكام"للإمام أحمد بن سليمان وفي"الشفاء"للأمير حسين وفي"متن الأزهار"وفي"البحر الزخار"للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، وفي"الروض النضير"للقاضي حسين السياغي، وفي"الغطمطم التيار"لابن حريوه السماوي.
وغيرها من مؤلفاتهم المخطوطة والمطبوعة، ولهم على هذا القول أدلة قد تبلغ إلى سبعة ولكنها عند التأمل لا تدل على مشروعية التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير في الركعتين الأخيرتين من الصلاة بدلًا عن فاتحة الكتاب لأن بعضها خارج عن الموضوع وبعضها لم يصح سنده عند علماء الحديث وبعضها من باب القياس الذي لم تتحقق فيه العلة كما أنها مصادمة للنص الصريح الصحيح المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا وهو حديث المسيء صلاته [1] فمن جملة ما احتجوا به حديث عبدالله بن أبي أوفى عند أبي داوود والترمذي مرفوعًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للرجل الذي أتى يشكو أنه لا يستطيع أن يحفظ شيئًا من القرآن فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - (قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) [2] ويجاب عن هذا الدليل بأنه خارج عن الموضوع، لأنه مشروط بأن المصلي لا يستطيع أن يقرأ الفاتحة ولا غيرها من سور وآيات القرآن الكريم، حيث ونص الحديث مصرح بأنه خاص بمن لا يحفظ الفاتحة ولا غيرها لا لكل مصلي، كما هو مطلوب.
فالدليل هذا خارج عن محل النزاع فلا يصح الاستدلال به أبدًا.
ومما احتجوا به (خذوا جنتكم من النار، قالوا يا رسول الله من عدو قد حضر؟ قال: لا، بل من النار، قالوا: وما جنتنا من النار؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنها تأتي يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومجنبات ومن الباقيات الصالحات) [3] .
وهكذا احتجوا بحديث أبي هريرة عند الترمذي مرفوعًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قالوا: وما الرتع؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر [4] .
ويجاب عن هذا الإحتجاج وعن الذي قبله بأن كل واحد من الدليلين غير مفيد للمطلوب وغير دال على دعوى شرعية هذا الذكر في الركعتين الأخيرتين من الصلاة بدلًا عن قراءة الفاتحة الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله ومن فعله.
(1) سبق ذكره في هذا الباب من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في صحيح البخاري برقم (757) .
(2) سنن النسائي: كتاب الإفتتاح: باب ما يجزاء من القراءة لمن لا يحسن القرآن. حديث رقم: (923) بلفظ: عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إنّي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئا مِنَ القرآن فَعَلّمْنِي شَيْئا يُجْزِئْنِي مِنَ القرآن فَقَالَ: «قُلْ سُبْحَانَ اللّهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ وَلاَ إلَهَ إلاّ اللّهُ وَاللّهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بِاللّهِ» . صحح الألباني الحديث في صحيح الجامع الصغير برقم (3214) .
أخرجه أبو داود في الصلاة 708 , وأحمد في أول مسند الكوفيين 18322.
(3) سبق ذكره في هذا الباب من حديث أبي أوفى - رضي الله عنه - بتصحيح الألباني للحديث في صحيح الجامع الصغير برقم (3214) .
(4) سنن الترمذي: كتاب الدعوات: باب الدعوات عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. حديث رقم (3576) بلفظ: عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (إذا مَرَرْتُمْ برياضِ الجنَّةِ فارتعوا، قلتُ يا رَسُولَ اللَّهِ وما رِياضُ الجنَّةِ؟ قَالَ المَساجدُ، قلتُ وما الرَّتعُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ سُبحانَ اللَّهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلاّ اللَّهُ واللَّهُ أكبرُ) . وقد ضعف الحديث الألباني في ضعيف سنن الترمذي بنفس الرقم
انفرد به الترمذي.
معاني الألفاظ: ... فارتعوا: فأكثروا من الذكر لنيل الثواب الجزيل.