وقال أيضًا: (لا الشرك أخشى عليكم، ولكن يخشى علينا زهرة الحياة الدنيا) حديثان في البخاري وغيره، فكن على حذر فإنه لا يجتمع في قلب امرئ حب العلم وحب الدنيا، فإما أن يغلب هذا على هذا أو هذا على هذا، وإذا غلب حب الدنيا على قلبك تركت العلم وضيعت نفسك، وكم من أناس ضاعوا وقد كانوا طلبة علم ومنهم من كان قد استكمل حفظ القرآن، ومنهم من حفظ من الأحاديث الشيء الكثير والكثير، ثم تعلقت قلوبهم بالدنيا فضاعوا وأضاعوا.
النصيحة الرابعة لطالب العلم وطالبة العلم وللعالم والداعي إلى الله: أن يحذر من الكبر فإن الشيطان إذا عَجز عن صرفك عن طلب العلم ما استطاع ربما آتاك من الباب الآخر ونفخ فيك روح الكبر، وقال: أنت عالم وأنت زاهد وأنت صالح وأنت قارئ أو طالب علم وانظر إلى زملائك أين هم منك لا يسوون أصبع من أصابع يديك أو رجليك، وأعطاك من هذا الثناء والإطراء والمدح، فإذا بك تنخدع ويكون في هذه الحالة قد قضى عليك وأهلكك إلا أن يشاء الله أن يتغمدك برحمته فقد قال الرسول صلوات الله وسلامه عليه: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) مثقال ذرة من كبر، فقال رجلٌ: يا رسول الله إن أحدنا يحب أن يكون نعله حسنًا، وثوبه حسنًا أي فهل هذا من الكبر؟، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس) رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو الكبر بشيئين: بطر الحق أي دفعه وعدم قبوله، وغمط الناس أي احتقار الناس، هذا هو الكبر (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) إذًا كلما أراد الشيطان أن ينفخ فيك روح الكبر والفخر والإعجاب بالنفس فتذكر أنت لا شيء، قد سُبقت بعلماء كالجبال وما أنت إلا حصاد، وقد سُبقت بعبادٍ وزاهدين وصالحين عُظماء، وما أنت إلا شعرة في ظهر أحدهم، وخاصةً حين تقرأ في سير الصحابة وسير الصالحين وسير الأنبياء، وحين تقرأ أيضًا عن الملائكة عليهم السلام تجد نفسك لا شيء من حيث العبادة، وأيضًا إذا قرأت في سير العلماء تجد نفسك لا شيء في العلم، فأحذر يا أخي الطالب بارك الله فيك وفي علمك وكذلك أنتِ أيتها الطالبة بارك الله فيكِ وفي علمكِ، علينا جميعًا أن نحذر من مداخل الشيطان التي يُغرقنا بها إن عجز من هذا الباب أتى من الباب الثاني، إن عجز من أن يدخل عليك من الباب دخل عليك من النافذة حاول بكل ما يستطيع أن يضلك ضلالًا مبينًا وبعيدًا وأن يُغويك، فكن على حذر من كل المداخل، وتذكر قول الله: (( والذين جاهدوا فينا لنهد ينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) )جاهد نفسك في ذات الله، ومهما كان صوتك جميلًا فمن الذي أعطاك الصوت الحسن؟ أليس هو الله؟ من الذي أعطاك الشعر الحسن؟ أليس هو الله؟ من الذي أعطاك اللون الحسن؟ أليس هو الله؟ من الذي أعطاك العقل والذكاء؟ أليس هو الله؟ من الذي أعطاك الحفظ والذاكرة؟ أليس هو الله؟ الجواب: بلى، فإذًا تفتخر بأي شيء؟ تفتخر بشيء ليس هو منك وإنما هو من الله أما تتقي الله في نفسك، أما تعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يأخذ ما أعطاك أخذه، فإنه لا يُسئل عما يفعل وهم يُسألون، أخبرني رجلٌ عن شخصٍ وقد رأيت ذلك الشخص، قال: كان ذاك الرجل ذا شعرٍ جميل وكان يتفاخر به، قال: وبعد فترة ما نشعر إلا وشعر بدنه بكامله تساقط الذي على رأسه الذي على وجه والذي في يديه كل الجسم حتى الذي على حاجبيه، فرأيته في الحالة الثانية لا شعر وهو يعرفه في الحالة الأولى والثانية، والذي أخبرني ثقة والله يفعل ما يشاء، (( لا يُسئل عما يفعل وهم يُسألون ) )انظر لما تفاخر بشعره الوسيم الجميل وما حمد الله وما شكره وما تواضع وما أدى شكر هذه النعمة، وكأنه هو الذي خلق هذا الشعر أستغفر الله كيف سلب الله منه هذه النعمة، وهكذا الذاكرة إن تفاخرت فما تشعر إلا وقد سلب منك الذاكرة والعقل والذكاء والحفظ والفطنة، فتصبح بليد من أرذل الناس في البلادة فتواضع لله وأعمل بكتاب الله وبسنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
(يُتْبَعُ)