ـ [محمد خلف سلامة] ــــــــ [31 - Jul-2007, صباحًا 08:43] ـ
رفع الغلَط الغريب ودفع الخلْط المريب
عن معاني وأحكام كون الحديث في فضائل الأعمال أو الترغيب والترهيب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على خليله وصفيه وعبده ونبيه الرسول الأمين محمد وعلى آله وصحبه وسائر من آمن به واهتدى بهديه، وبعد.
فقد وقع في كلام كثير من المتأخرين على أحاديث الترغيب والترهيب وأحكامها لبس وخلط وإيهام، فأردت المشاركة في كشف ذلك، وإن كنت مسبوقًا إليه، فإن الحاجة إلى نشر مثل هذا الكشف ما زالت قائمة بل ماسة ملحة، فأقول:
أما الترغيب فالمراد به تحبيب النفوس في فعل الأعمال الصالحة، ودفعِها إلى ذلك، وذلك بذكر النصوص المبينة لثواب تلك الأعمال والفضل المرجو من فِعلها.
وأما الترهيب فالمراد به التخويف مِن فعل الأعمال السيئة والمعاصي، وذلك بذكر عقوباتها وأضرارها.
والمراد بالأعمال الصالحة تلك الأعمال التي ثبت بالآيات أو الأحاديث الثابتة أنها أعمال صالحة، وتشمل الواجبات والمستحبات، ومن المعلوم المقرَّر أن الوجوب والاستحباب حكمان شرعيان لا يثبتان لعمل من الأعمال بحديث ضعيف.
ومثل ذلك يقال في الأعمال السيئة، فالمراد بها: الأعمال التي ثبت بالكتاب والسنة الثابتة أنها أعمال محرمة، فلا تثبت الحرمة بحديث غير ثابت.
وأما المكروهات فقد ورد في النصوص الشرعية وأصول الدين ترغيب في اجتنابها، فإنَّ في اجتنابها ثوابًا لمن يجتنبها، والتحقيق أن ترك المكروهات لوجه الله هو في الحقيقة داخل في جملة الحسنات والأعمال الصالحة، ومثله ترك المباحات بقصد التفرغ للطاعات والتقوّي عليها، وكذلك فِعلها - أي المباحات - بقصد التقوي على الطاعات: كل ذلك يثاب عليه المرء لأنه عملٌ صالح، وإنما الأعمال بالنيات.
هذا وإنَّ أحاديث الترغيب والترهيب تسمى اختصارًا أحاديث الفضائل.
وقد كانت هذه التسمية واحدًا من جملة أسبابٍ أوقعت كثيرًا من أهالي العصور المتأخرة في لبس شديد وغلط بعيد، في هذا الباب؛ فقد خلط أكثر العامة وكثير من أشباههم ممن يعدون أنفسهم في جملة طلبة العلم الشرعي بين فضائل الأعمال والأعمال الفاضلة، ففهموا ما قاله كثير من العلماء من أن الحديث الذي فيه ضعف غير شديد وهو غير منكر يعمل به إذا كان واردًا في فضائل الأعمال، أي في الترغيب والترهيب المتقدم معناهما، وإنما مرادهم بذلك ما أسلفتُه، ولكن هؤلاء ظنوا - جهلًا - أن معنى (فضائل الأعمال) هو (الأعمال الفاضلة) ، فصارت القاعدة التي لخص فيها بعض أهل العلم مذهب الأئمة في الأحاديث الضعيفة، والتي نصها (يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال) ، أقول: صار معنى هذه القاعدة عند هؤلاء الجهلة والمتساهلين: (يعمل بالحديث الضعيف في بيان الأعمال الفاضلة) ، وبعبارة أخرى: (الحديث الضعيف يثبت به حكم الوجوب وحكم الاستحباب، للأعمال، لأن الأعمال الواجبة والأعمال المستحبة: أعمال فاضلة) ، وهذا خلط ليس بعده خلطٌ أشد منه ولا أعجب؛ وهكذا نَجَمت كثير من البدع، ونُصرت كثير من الضلالات، وأُميتت كثير من السنن، وكيدت كثير من الحقوق، والله وحده المستعان.
هذا جانب مما يتعلق بأحاديث الترغيب والترهيب، وكان السلف يسمونها أيضًا الرقاق، وبقي جانبٌ آخرُ مضادٌّ لهذا الجانب، وهو أنَّ طائفة من طلبة العلم، وقد يكون بينهم بعض العلماء - منعوا رواية الحديث الضعيف أصلًا، ومنعوا الترغيب والترهيب به، وهذا مخالف لطريقة أئمة هذا العلم، والتي نقلها عنهم الخطيب الحافظ في (الكفاية) و (الجامع) ، ونقلها غيره أيضًا.
قال الخطيب في (الكفاية) (2/ 398 - 400) تحت بابٍ أسماه (باب التشدد في أحاديث الأحكام والتجوز في فضائل الأعمال) :
(قد ورد عن غير واحد من السلف أنه لا يجوز حمل الأحاديث المتعلقة بالتحليل والتحريم إلا عمن كان بريئًا من التهمة بعيدًا من الظِّنَّة، وأما أحاديث الترغيب والمواعظ ونحو ذلك فإنه يجوز كتبها عن سائر المشايخ) ؛ ثم أسند هذه الآثار الخمسة التالية:
(يُتْبَعُ)