ـ [العبيد] ــــــــ [25 - Feb-2010, مساء 08:47] ـ
قاعدة في الجماعة والفرقة وسبب ذلك ونتيجته
قال الله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}
أخبر سبحانه أنه شرع لنا ما وصى به نوحا، والذي أوحاه إلى محمد، وما وصى به الثلاثة المذكورين، وهؤلاء هم أولو العزم المأخوذ عليهم الميثاق في قوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} ، وقوله: {ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به} ، فجاء في حق محمد باسم {الذي} وبلفظ الإيحاء، وفي سائر الرسل بلفظ (الوصية) .
ثم قال: {أن أقيموا الدين} . وهذا تفسير الوصية، و {أن} : المفسرة التي تأتي بعد فعل من معنى القول لا من لفظه، كما في قوله: {ثم أوحينا إليك أن اتبع} ، {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} . والمعنى: قلنا لهم: اتقوا الله. فكذلك قوله: {أن أقيموا الدين} في معنى: قال لكم من الدين ما وصى به رسلا، قلنا: أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، فالمشروع لنا هو الموصى به، والموحى، وهو: {أقيموا الدين} فأقيموا الدين مفسر للمشروع لنا، الموصى به الرسل، والموحى إلى محمد، فقد يقال: الضمير في {أقيموا} عائد إلينا. ويقال: هو عائد إلى المرسل. ويقال: هو عائد إلى الجميع. وهذا أحسن. ونظيره: أمرتك بما أمرت به زيدا، أن أطع الله، ووصيتكم بما وصيت بني فلان، أن افعلوا. فعلى الأول: يكون بدلا من {ما} أي شرع لكم {أن أقيموا} وعلى الثاني: شرع {ما} خاطبهم. {أقيموا} ، فهو بدل أيضا، وذكر ما قيل للأولين. وعلى الثالث: شرع الموصى به {أقيموا} .
فلما خاطب بهذه الجماعة بعد الإخبار بأنها مقولة لنا، ومقولة لهم، علم أن الضمير عائد إلى الطائفتين جميعا. وهذا أصح إن شاء الله. والمعنى على التقديرين الأولين يرجع إلى هذا، فإن الذي شرع لنا، هو الذي وصى به الرسل. وهو الأمر بإقامة الدين، والنهي عن التفرق فيه، ولكن التردد في أن الضمير تناولهم لفظه، وقد علم أنه قيل لنا مثله، أو بالعكس، أو تناولنا جميعا.
وإذا كان الله قد أمر الأولين والآخرين، بأن يقيموا الدين، ولا يتفرقوا فيه، وقد أخبر أنه شرع لنا ما وصى به نوحا، والذي أوحاه إلى محمد، فيحتمل شيئين:
أحدهما: أن يكون ما أوحاه إلى محمد يدخل فيه شريعته التي تختص بنا؛ فإن جميع ما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم قد أوحاه إليه، من الأصول والفروع، بخلاف نوح وغيره من الرسل، فإنما شرع لنا من الدين ما وصوا به، من إقامة الدين، وترك التفرق فيه. والدين الذي اتفقوا عليه: هو الأصول. فتضمن الكلام أشياء:
أحدها: أنه شرع لنا الدين المشترك، وهو الإسلام والإيمان العام، والدين المختص بنا، وهو الإسلام، والإيمان الخاص.
الثاني: أنه أمرنا بإقامة هذا الدين كله المشترك، والمختص، ونهانا عن التفرق فيه.
الثالث: أنه أمر المرسلين بإقامة الدين المشترك، ونهاهم عن التفرق فيه.
الرابع: أنه لما فصل بقوله: {والذي أوحينا إليك} بين قوله: {ما وصى به نوحا} وقوله: {وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} أفاد ذلك.
ثم قال بعد ذلك: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} فأخبر أن تفرقهم إنما كان بعد مجيء العلم، الذي بين لهم ما يتقون، فإن الله ما كان ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون. وأخبر أنهم ما تفرقوا إلا بغيًا، والبغي مجاوزة الحد، كما قال ابن عمر ... الكبر والحسد، وهذا بخلاف التفرق عن اجتهاد ليس فيه علم، ولا قصد به البغي، كتنازع العلماء السائغ، والبغي إما تضييع للحق، وإما تعد للحد، فهو إما ترك واجب، وإما فعل محرم؛ فعلم أن موجب التفرق هو ذلك.
(يُتْبَعُ)