فهرس الكتاب

الصفحة 15985 من 20085

ـ [أبو رغد الأثري] ــــــــ [17 - Dec-2009, صباحًا 10:21] ـ

بقلم فضيلة الشيخ"أبو عبيدة"مشهور بن حسن آل سلمان

حفظه الله تعالى ورعاه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله http://www.mashhoor.net/images/salat-rasool.gif، وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، وصلى بصلاته إلى يوم الدين، قال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم} . (أ)

أما بعد. (أ)

لم يرد في القرآن ذكر للفظة (السياسة) ، ولا لجذرها (ساس) ومشتقاتها؛ إذ هذه اللفظة معرَّبة على رأي ابن كمال باشا - (ت 940هـ) -، فإنَّه قال في كتابه «تحقيق تعريب الكلمة الأعجمية» ( [1] ) ما نصه:

« (السِّياسة) : معرَّب (سَهْ يَسَا) ، وهي لفظة مركبة من كلمتين:

أولاهما: أعجمية، والأُخرى: تُركيّة؛ فإنَّ (سَهْ) بالعجمية: ثلاثة، و (يَسَا) بالمُغل: الترتيب؛ فكأنه قال: التراتيب الثلاثة.

وسبب هذه الكلمة على ما ذكر في «النجوم الزاهرة» : «أنَّ جنكيزخان -ملك المُغل- كان قد قسَّم ممالكه بين أولاده الثلاثة، وجعلها على ثلاثة أقسام، وأوصاهم بوصايا لم يخرجوا عنها، وبقي فيما بينهم إلى يومنا هذا مع كثرتهم، واختلاف أديانهم، فصاروا يقولون: (سه سيا) ، يعني: التراتيب الثلاثة -التي رتبها جنكيزخان، فثقل ذلك على العامة فعربوها بتغيير الترتيب، فقالوا: سياسة» .

قال أبو عبيدة: لمادة (السياسة) ذكر في السنة النبوية؛ فأخرج البخاري (كتاب أحاديث الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل) رقم (3455) ، ومسلم (كتاب الإمارة: باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول) رقم (1842) بسندَيْهِمَا إلى أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- رفعه إلى النَّبِيِّ http://www.mashhoor.net/images/salat-rasool.gif قال:

«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ» .

ومعنى (تسوسهم) ؛ أي: يتولون أمورهم؛ كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية.

والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه -قاله النووي في «شرح صحيح مسلم» (12/ 320 - ط. قرطبة) -.

* تحقيق التعريب:

أفاد صاحب «دراسات في تأصيل المعربات والمصطلح» (ص 131 - 132) أنَّ لفظة (السياسة) بمعنى: استصلاح الخلق بإرشادهم إلى ما فيه مصلحتهم، أو المنهج المتبع في تدبير مرافق الحياة العامة، ومنها: السياسة المدنية، والسياسة التربوية، وسياسة السوق الحرة.

أقول: إنَّ اللفظ -بمفهومه الحديث- مولَّد توليدًا معنويًّا، والمولد على ما جاء في «المعجم الوسيط» ( [2] ) : «المولَّد من الكلام: كل لفظ كان عربيَّ الأصل ثم تغير في الاستعمال، أو هو اللفظ العربي الذي يستعمله الناس بعد عصر الرواية» .

* السياسة عربية:

اللفظ عربي فصيح متصرف، وهو مصدر ساس الناس يسوسهم سياسة: ورد في «جمهرة اللغة» ( [3] ) لابن دريد (ت 321هـ) : «وَسُسْتُ القومَ أَسُوسُهم سياسة، وكذلك الدواب» .

وقال الجوهري في «الصحاح» ( [4] ) (ت 393هـ) -مادة س و س-: «سُسْتُ الرعية سياسةً، وسُوِّسَ الرجلُ أمورَ الناس، على ما لم يسم فاعله، إذا مُلِّكَ أمرهم» .

وجاء في «اللسان» ( [5] ) لابن منظور (ت 711هـ) : «وساس الأمر سياسةً: قام به، ... وسوَّسه القومُ: جعلوه يَسُوسُهم» .

أمَّا صاحب «القاموس» ( [6] ) (ت 817هـ) ، فقد قال: «وسُسْتُ الرعيةَ سياسةً: أمرتُها ونهيتُها، وفلان مُجرّب قد ساس، وسيس عليه: أدَّب وأُدِّبَ» .

إنَّ بين مؤلفي «الجمهرة» و «الصحاح» و «اللسان» و «القاموس» وولاة جنكيزخان (ت 644هـ/1227م) بونًا واضحًا من الزمن!

والعجب كيف خفي هذا على شدَّةِ وضوحه وكثرة وقوع هذه اللفظة في الكتب المتقدمة على عصر جنكيزخان.

على أنَّه يمكن أن يفهم مسلك ابن كمال في تعريب هذه اللفظة (سه يسا) ، وهي دخيلة قد صادفت إيقاعًا صوتيًّا للكلمة العربية (سياسة) .

ومن قبيل المصادفة أن تحمل كلاهما في الدلالة معنى الرعاية والحكم، وهذا شبيه باللفظ الدخيل (تكنولوجيا Technology) ، والتي عُرِّبت بـ (التِّقْنِيِّة) أو (التكنية) للدلالة على التطبيق العملي لنظريات العلم.

يقول عبد الصبور شاهين: «من الواضح أن مصطلح (التقنية) قد جاء موفقًا لما في أصواته من توافق بينه وبين المقابل الانجليزي .. » ( [7] ) ».

إذن؛ لفظة (السياسة) عربية، ولكنها لم ترد في القرآن الكريم بمادتها ولا بمفهومها الحديث المولد تولدًا معنويًّا.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت