ـ [خلوصي] ــــــــ [01 - Jan-2010, صباحًا 09:59] ـ
القرآن الكريم
روح الكون
ومعراج التعرف إلى الله
رحمه الله رحمة واسعة
إن هذا القرآن الكريم ينبئ عن نفسه ويعرف بطبيعته وماهيته. إنه يتكلم إلى الإنسان من خلال بعده الكوني، ومصدره الرباني. ومن هنا فإنه أعمق من أن يحيط به الإدراك المادي المجرد: ?وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ? (الشورى:51)
ولذلك فإن أسرار آياته ترتبط جميعا بحقائق الكون. فهو فهرست الوجود، والكشاف الجامع لكل موجود، إذ هو ينتمي إلى عالم"الأمر"?وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا? (الشورى:52) . إنه يمثل في حقيقته وفي وجدان المتبصر لبصائره روحَ الحقائق كلها، فلا حياة لها إلا به.
إن عظمة القرآن تتمثل أساسا في أنه"كلام الله رب العالمين". إن ما يبهر الإنسان من ذلك ويفيض مشاعره أن القضية هي من العظمة والرهبة بحيث يستحيل على القلب البشري تحمل مواجيدها، بدءًا بالتفكر في هذا الكون الشاسع الممتد من فضاءات لا يحدها بصر ولا تصور ولا خيال، وما يسبح فيه من نجوم وكواكب ومجرات وسدم غائرة بعيدة بملايين السنوات الضوئية، وما يحيطها من سماوات بعضها فوق بعض، وما يعمرها من خلائق نورانية مما لا يُدرك له شكل ولا صورة، إلى ما بين هذا وذاك من طبقات الزمان المختلفة عدًّا وتقديرًا، من الأيام والسنوات، قد يختزل اليومُ الواحد منها ?أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ? (السجدة:5) ، إلى ?خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ? (المعارج:4) . وربُّ هذه العوالم جميعًا، الخالق لها، والمحيط بأزمنتها وأمكنتها كلها، المدبر شؤون حياتها ومماتها وأرزاقها، بقيوميته الممتدة من الأزل إلى الأبد، المالك زمام أحوالها بأنوار أسمائه الحسنى وصفاته العلى سبحانه وتعالى، هذا الرب الرحمن الرحيم والملك العظيم المتنزه في مطلق علوه وسموه وجلاله وكبريائه؛ يقدر برحمانيته ورحمته أن يكرم الإنسان هذا المخلوق الضعيف القابع في الأرض، هذا الكوكب الضئيل السابح في بحر عظيم زاخر بأمواج السدم والمجرات، فيكون من أعظم مقامات هذا التكريم أن يخاطبه بهذا الكلام الإلهي العظيم: القرآن الكريم!
فكيف للنسبي الفاني إذن أن تتحمل مواجيدُه كلام المطلق الباقي؟! كيف للقلب المحكوم بالزمان والمكان أن تستوعب خفقاتُه المعدودة وأنفاسُه المحدودة وقْعَ الكلام الخارق للزمان والمكان؟!
(يُتْبَعُ)