ـ [طالبُ علم] ــــــــ [17 - Apr-2007, صباحًا 04:15] ـ
الحمد لله الخلاق العليم و الصلاة و السلام على من أرسله الله تعالى بالهدى و الخير العميم و على آله و صحبه أصحاب الهدى و الصراط المستقيم و على من اقثفى أثرهم و سلك سبيلهم إلى يوم الزلزلة العظيم
و بعد
فقد شاع في هذه الأزمنة المتأخرة أخطاء جسيمة في كلام العرب الخواص فضلا عن العوام منهم و هذا نتيجة لبعدهم السحيق عن كلام العرب المتقدمين فهُم الذين كانوا مثالا يقتدى بهم في وجه اللسان العربي المبين و من بين هذه الأخطاء المرتكبة في هذه الأيام كثرة استعمال كلمة الخلق في غير محلها.
قال العلامة تقي الدين الهلالي رحمه الله في كتابه القيم الرائع تقويم اللسانين أي القلم و اللسان.
الخلق:
كثر استعمال الخلق في هذا الزمان بمعنى الإنشاء و الإيجاد , يقال مثلا: يجب علينا أن نسعى لخلق نهضة ثقافية و هو استعمال فاسد , جاء من جهلة المترجمين لكلمة في اللغات الأوربية مشتركة , تستعمل في إنشاء الله تعالى المخلوقات و إيجادها على غير مثال سابق , و تستعمل في تلك اللغات أيضا في معنى الإنشاء المطلق.
أما في اللغة العربية فإن الخلق بمعنى الإيجاد و الإنشاء خاص بالله تعالى , و من أسمائه الخالق و الخلاق , قال تعالى في سورة النحل (17) (( أفمن يخلق كمن لا يخلق , أفلا تذكرون ) )و قال تعالى في السورة نفسها (19/ 20) (( و الله يعلم ما تسرون و ما تعلنون , و الذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا , و هم يخلقون ) ). و قال تعالى في سورة الرعد (16) (( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء و هو الواحد القهار ) ).
أما في هذا الزمان الذي اختلت فيه الموازين و المقاييس و صار الناس فوضى في الإنشاء العربي , فلم يبق الخلق خاصا بالله تعالى , بل صار الناس كلهم خالقين و خلاقين.
قال في لسان العرب: خلق: الله تعالى , و تقدس الخالق و الخلاق: و في التنزيل: (( هو الله الخالق البارئ المصور ) )و فيه (( بلى و هو الخلاق العليم ) ): و إنما قدم أول وهلة , لأنه من أسماء الله تعالى:
الأزهري: و من صفات الله تعالى الخالق و الخلاق , و لا تجوز هذه الصفة بالألف و اللام لغير الله , عز وجل , و هو الذي أوجد الأشياء جميعها , بعد أن لم تكن موجودة: و أصل الخلق التقدير , فهو باعتبار تقدير ما منه وجودها , و بالاعتبار للإيجاد على وفق التقدير: خالق:
والخَلْقُ في كلام العرب: ابتِداع الشيء على مِثال لم يُسبق إِليه: وكل شيء خلَقه الله فهو
مُبْتَدِئه على غير مثال سُبق إِليه: أَلا له الخَلق والأَمر تبارك الله أَحسن الخالقين. قال أَبو بكر
بن الأَنباري: الخلق في كلام العرب على وجهين: أَحدهما الإِنْشاء على مثال أَبْدعَه، والآخر
التقدير؛ وقال في قوله تعالى: فتبارك الله أَحسنُ الخالقين، معناه أَحسن المُقدِّرين؛ وكذلك
قوله تعالى: وتَخْلقُون إِفْكًا؛ أَي تُقدِّرون كذبًا.
وقوله تعالى: أَنِّي أَخْلُق لكم من الطين خَلْقه؛ تقديره، ولم يرد أَنه يُحدِث معدومًا. ابن سيده: خَلق الله الشيء يَخلُقه خلقًا أَحدثه بعد أَن لم يكن، والخَلْقُ يكون المصدر ويكون
المَخْلُوقَ؛ وقوله عز وجل: يخلُقكم في بطون أُمهاتكم خَلْقًا من بعد خَلق في ظُلمات ثلاث؛
أَي يخلُقكم نُطَفًا ثم عَلَقًا ثم مُضَغًا ثم عِظامًا ثم يَكسُو العِظام لحمًا ثم يُصوّر ويَنفُخ فيه
الرُّوح، فذلك معنى خَلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث في البَطن والرَّحِم والمَشِيمةِ، وقد
قيل في الأَصلاب والرحم والبطن؛ وقوله تعالى: الذي أَحسَنَ كلَّ شيء خَلْقَه؛ في قراءة من
قرأَ به؛ قال ثعلب: فيه ثلاثة أَوجه: فقال خَلْقًا منه، وقال خَلْقَ كلِّ شيء، وقال عَلَّم كُلَّ شيء خَلْقَه؛ وقوله عز وجل: فلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله؛ قيل: معناه دِينَ الله لأَن الله فَطَر الخَلْقَ
على الإِسلام وخلَقهم من ظهر آدم، عليه السلام، كالذّرِّ، وأَشْهَدَهم أَنه ربهم وآمنوا، فمن
كفر فقد غيَّر خلق الله، وقيل: هو الخِصاء لأَنَّ من يَخْصِي الفحل فقد غيَّر خَلْقَ الله، وقال
الحسن ومجاهد: فليغيرن خَلْقَ الله، أَي دِينَ الله؛ قال ابن عرفة: ذهب قوم إِلى أَن قولهما
(يُتْبَعُ)