ـ [محمد البشاري] ــــــــ [05 - Dec-2010, مساء 07:33] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله القائلُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
والصَّلاة والسَّلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال: {أكثروا ذكر هاذم اللذات}
أمَّا بَعْدُ:
فاٍنَّ محاسبة النفس أمرٌ عظيمٌ جدًا، ومعناها أنْ تنظر في نفسك وتتأمل فيها وتعرف عيوبها ومثالبها ومساوئها، فلا نجاة للعبد إلا بها، قال تبارك وتعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}
وما أروع ما قاله أمير المؤمنين الفاروق أبو حفص / عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في هذه الكلمات المضيئة:
[حاسبوا أنفسكم قبل أنْ تُحاسَبوا، وزنوا أعمالكم قبل أنْ تُوزن عليكم، وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون على الله لا تخفى منكم خافية]
والمحاسبة للنفس من قام بها اليوم، كان آمنًا غدًا.
ومقام محاسبة النفس يقلل الكلام فيما لا يعني، ويحمل الإنسان على تقليل الذنوب، وعلى الإكثار من الطاعات لمقابلة ما صدر منه.
ولكنَّ هذا الطراز يَعزُّ وجوده في زماننا هذا.
فالمحاسبة تكون بضبط الحواس ورعاية الأوقات وإيثار المهمات وحفظ الأنفاس والحرص على أداء العبادات كاملة، وبالأخص الصلاة، فيكملها بشروطها المذكورة وأركانها وواجباتها وسننها، بخشوع وخضوع وطمأنينة وسُكون.
فمحاسبة النفس طريقة المؤمنين، وعنوان الخاشعين، وبما أن القلوب كثيرًا ما تقسو وتغفل، فتحتاج إلى ما يزيل هذه القسوة وتلك الغفلة، من أجل ذلك كانت هذه
المواعظ
المحاسبة قبل الموت.
قال إبراهيم بن أدهم رحمة الله تعالى عليه: كنتُ في المسجد الحرام ذات يوم فغلبتني عيني فنمتُ، فرأيتُ حول البيت سوادقات (نوع من الطيور) خضر مكتوب عليها [ينبغي لمن عرف قدري أنْ لا يعصي أمري، ولمن عرف عدلي فيمن يقف بين يدي أنْ يحاسب نفسه قبل قدومه عليّ، ولمن عرف إحساني لا ينساني، ولمن عرف كرمي أنْ يشكرني]
أقولُ: والإنسان لا يتنبه لمحاسبة نفسه إلا إذا زهد في الدنيا، فاقرأ:
زهد في الدنيا
قال جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما: خرجتُ مع علي رضي الله عنه إلى خارج المدينة فتفكرت في أحوال الدنيا وغرورها وفتنها لنا، فقال:
يا جابر اٍنَّ الدنيا أحقر من أنْ يفتتن بها لبيب.
يا جابر إنَّ لذلتها في ستة أشياء، مأكول، ومشروب، وملبوس، ومنكوح، ومشموم، ومسموع.
فأما المأكول: فألين ما يؤكل العسل، وهو رجيع ذبابة (نحلة)
وأما المشروب: فألذ ما يشرب الماء، وقد تساوى فيه جميع الحيوانات.
وأما الملبوس: فأفخر ما يلبس الحرير ومخرجه من دودة.
وأما المنكوح: فمبال في مبال.
وأما المشموم: فأطيبه المسك وهو دم دابة (غزال) .
وأما المسموع: فألذ ما يسمع الوتر وهو إثم كله.
قد أولع الناسُ في الدنيا بأربعةٍ
أكل وشرب وملبوس ومنكوح
وغاية الكُلِّ إنْ فكرت فيه إلى
رَوْثٍ وبول ومطروح ومفضوح
قلتُ: ومن الأمور التي تعين على الزهد في ملذات الدنيا الفانية زيارة القبور، فقد قال صلى الله عليه وسلم [ ألا فزوروهـ ــــا، فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، الخ الحديث.
وتدبر معي أخي - أختي جيدًا هذه الـ
موعظة
قال إبراهيم بن يزيد التميمي رحمة الله تعالى عليه:
كنتُ كثير التردد إلى المقابر أذكر الموتى وطول البلاء،
فبينما أنا واقف ذات ليلة فيها غلبتني عيني فنمتُ فرأيتُ قبرًا قد شُق وسمعتُ قائلًا يقول: خذوا هذه السلسلة فاسلكوها في فيه وأخرجوها من دبره، وإذا الميت يقول: يا رب ألمْ أكن أقرأ القرآن؟
ألم أكن أحج بيتك الحرام؟، وجعل يذكرُ أفعالَ البر شيئًا بعد شيء، وإذا قائلٌ يقول:
نعم كنتَ تفعلُ ذلك ظاهرًا، فإذا خلوتَ بارزتني بالمعاصي ولم تراقبني.
وقال أيضًا:"مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها."
ثم مثلت نفسي في النار:
آكلُ من زقومها وأشربُ من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها.
فقلتُ لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟
قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا، قال:
فأنت في الأمنية فاعملي اٍذًا لتكوني في الجنة في ذلك النعيم""
وقال محمد بن كعب القرظي رحمة الله تعالى عليه:
إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا، جعل فيه ثلاث خلال:
فقه في الدين، وبصر بعيوبه، وزهادة في الدُّنيا.
قيل لإبراهيم بن أدهم بما وجدت الزهد؟
قال: بثلاثة أشياء:
رأيتُ القبر موحشًا وليس معي مُؤنسٌ، ورأيتُ طريقًا طويلًا وليس معي زادٌ، ورأيتُ الجبار قاضيًا وليس معي حجة.
ومما قيل في الزهد في الدنيا:
أتبني بناء الخالدين وإنما
مقامك فيها لو عقلت قليل
لقد كان في ظل الأراك كفاية
لمن كان فيها يعتريه رحيل
وقال آخر:
ترجو البقاء بدارٍ لا بقاء لها
وهل سمعتَ بظلٍ غير مُنتقل
وختاما أقولُ:
هذا بعض ما يسره الله تعالى في بيان هذه المواعظ، ونحن نودع عامًا ونستقبلُ أخر، عسى أنْ ننتفع بها وتكون نبراسًا لنا قبل الانتقال للدار الأخرة ونقف بين يدي ربنا تبارك وتعالى ليحاسبنا على ما سلف من العمل.
فنسأله عزَّ وجلَّ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أنْ يرزقنا وإياكم صلاح النفوس، وأنْ يوفقنا دائمًا وأبدًا إلى محاسبتها وتقويمها.
اللهم آتي نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
والحمدُ لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
والسَّلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته.