ـ [المصباح المنير] ــــــــ [28 - Aug-2010, مساء 01:39] ـ
لغة الداعية / أحمد بن عبد الرحمن الصويان
اللغة التي يستخدمها الإنسان في تواصله مع الناس من حوله هي علامة عقله وصلاح قلبه؛ فبقدر سموِّ لغته وطُهرِها وترفُّعها عن الفحش والبذاءة، يكون سموُّ عقله وشرفه. وقد سبق إلى بيان هذا المعنى عدد من العلماء الأجلاَّء منهم: يحيى بن معاذ - رحمه الله - إذ يقول: (القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها، ومغارفها ألسنتها، فانتظر الرجل حتى يتكلم؛ فإن لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض، وعذب وأجاج؛ يخبرك عن طعم قلبه اغترافُ لسانه) [1] . ووصف ابن القيم اللسان بأنَّه: (بريد القلب وترجمانه) [2] ، وقال في موضع آخر: (إذا أردت أن تستدل على ما في القلوب، فاستدل عليه بحركة اللسان؛ فإنه يطلعك على ما في القلب؛ شاء صاحبه أم أبى) [3] .
والمتأمل في لغة القرآن العظيم يلمس سموَّ الألفاظ وجمال التعبير كأجمل ما يكون السموُّ والجمال؛ فاقرأ - مثلًا - قول الله - تبارك وتعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 781] فقد كنى بالرفث والمباشرة عن الجماع. ونظائر ذلك في القرآن الكريم كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى: {وَإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 732] ، وقوله - تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 34] ؛ فعبَّر عن الجماع بالمس والملامسة. وانظر إلى جمال اللغة وأدب العبارة في قوله - جل وعلا: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 781] ، وقوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 322] [4] .
إنَّه تهذيب للإنسان وبناء للذوق اللغوي الذي يجعل المتكلم يختار أعف الكلمات وأسماها، ويترفع عن سفسافها وأدناها، وهذا المعنى أحد مقتضيات قول الله - عز وجل: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 38] ، وقوله - جل وعلا: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 35] ، وقوله - سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: 07] .
ولهذا جاءت وصية النبي صلى الله عليه وسلمبمعاهدة اللسان وتربيته، فقال #: «أطب الكلام» [5] ، وقال: «أطيبوا الكلام» [6] ، وقال: «عليك بحُسْن الكلام» [7] ، وقال: «الكلمة الطيبة صدقة» [8] .
وكانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلمالعملية أبلغ مثال في سموِّ اللغة ورقي التعبير؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلمفاحشًا، ولا متفحشًا، ولا صَخَّابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلَها، ولكن يعفو ويصفح) [9] . وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلملم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، وقال: «إن من أحبكم إليَّ أحسنكم أخلاقًا» [10] .
هذه البيئة التربوية الراقية هي التي نشأ فيها الرعيل الأول، سَمَتْ بالذوق العام للمجتمع كله؛ إذ خَلَت لغتهم من الخنى وسَلِمت أساليبهم من الإسفاف، ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يَعدُّ طيب الكلام إحدى الملذات التي لا يتمنى فراقها، فيقول: (لولا ثلاث: لولا أن أسير في سبيل الله، عز وجل، أو يغبرَّ جبيني في السجود، أو أقاعد قومًا ينتقون طيب الكلام كما ينتقى طيب الثمر، لأحببت أن أكون قد لحقت بالله، عز وجل) [11] .
(يُتْبَعُ)