فهرس الكتاب

الصفحة 2156 من 20085

{وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا}

ـ [عبدالعزيز بن عبدالله] ــــــــ [31 - Jul-2007, مساء 10:13] ـ

{وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا}

أ. د. عبدالكريم بكار

تشعر أمة الإسلام اليوم بغربة حقيقية بين الأمم المعاصرة، وتجد نفسها فريدة ومتميزة على مستوى المبادئ والمفاهيم والأهداف؛ وهذا التميز والتأبي على السير في ركاب القوى العظمى جرّ عليها ضغوطًا أدبية ومادية، هي أكبر مما نظن بكثير.

إن أدبياتنا تعلمنا أن الأسلوب الصحيح في مواجهة ضغوط الخارج وتحدياته لايكمن في التشاغل بالرد عليها؛ مما قد يجرنا إلى معارك خاسرة، وإنما يتمثل في الانكفاء على الداخل بالإصلاح والتنقية والتدعيم ... ولا ريب أن ذلك شاق على النفس؛ لأن المرء آنذاك ينقد نفسه، ويجعل من ذاته الحجر والنحّات في آن واحد!

والآية الكريمة التي نحن بصددها معْلم بارز في التأصيل لهذا الانكفاء، ولعلنا نقتبس من الدوران في فلكها الأنوار التالية:

1 -إن كثيرًا من النصوص يوجهنا نحو الانكفاء على الداخل في مواجهة الخارج بالنقد والإصلاح والتقويم والتحسين، وإن المتتبع للمنهج القرآني في قصِّه أحوال الأمم السابقة يجد أن ما ذكره القرآن الكريم من أسباب انقراضها واندثار حضاراتها لا يعود أبدًا إلى قصور عمراني، أو سوء في إدارة الموارد واستغلالها؛ وإنما يعود إلى قصور داخلي، يتمثل في الإعراض عن منهج الله (جلّ وعلا) واستدبار رسالات الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وهذه الحقيقة بارزة في جميع أخبار الأمم السابقة؛ حتى يتأصل في حسِّ القارئ للكتاب العزيز إعطاء الأولوية لصواب المنهج قبل أي شيء آخر.

وحين حلّت الهزيمة بالمسلمين في أحد، وقال بعض الصحابة (رضوان الله عليهم) : كيف نُهزَم ونحن جند الله؟! جاء الجواب: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] فالهزيمة وقعت بسبب خلل داخلي، وليس بسبب شراسة الأعداء، وكثرة عددهم وعتادهم؛ إذ لا ينبغي تضخيم العدو إلى الحد الذي يجعل تصور هزيمته شيئًا بعيدًا؛ فالعدو بَشَر له أحاسيسه، وله موازناته ومشكلاته، وبالتالي إمكاناته أيضًا، وفي هذا يقول (سبحانه) : {إن تَكُونُوا تًَالَمُونَ فَإنَّهُمْ يًَالَمُونَ كَمَا تًَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء: 104] .

2 -ترمي الآية الكريمة إلى تدعيم (الذاتي) في مقابل (الموضوعي) ؛ إذ تعلِّم المسلم أنه إذا ساءت الظروف فإن عليه أن يُحسِّن من ذاته؛ لأن من المعروف أنه حين تسوء الظروف، فإن الغالب أن يسوء الإنسان نفسه، ولذلك: فإنه يحدث في حالات الفقر الشديد نوع من التحلل الخلقي من نحو: السرقة، والرشوة، وسؤال الناس، والذل، والتحايل، والغش، والبخل، وقطيعة الرحم ... والمطلوب من المسلم آنذاك: أن يقف (وقفة رجل) فيضغط على نفسه، ويضبط سلوكه ويُلغي أو

يؤجل بعض رغائبه، ويقتصد في نفقاته، حتى تمر العاصفة، وينتهي الظرف الاستثنائي.

ومن النصوص الواضحة في تدعيم الشخصية عند صعوبة الظروف قوله:

(يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة، فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) [1] .

لم نكن على مدار التاريخ نمتلك الوعي الكافي بهذه الحقيقة، فبدل أن نلجأ إلى التربية والتوجيه والتعاضد والتراحم، واكتساب عادات جديدة، واقتلاع المشكلات من جذورها .. كنا نواجه التفسخ الاجتماعي والانحراف السلوكي بأمرين: القوة، ومزيد من القوانين، حيث كانا أقرب الأشياء إلينا تناولًا، وأقلها تكلفة حسب ما يبدو وقد عبّر عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) عن هذه الحقيقة حيث قال: (يحدث للناس من الأقضية على مقدار ما يُحدثون من الفجور) .

ونحن نقول: إن شيئًا من التوسع في الأنظمة والتشريعات الرادعة يحدث عند جميع الأمم، حين يقع تهديد خطير لأمن الناس وحقوقهم، لكن الجزاءات والعقوبات هي أشبه شيء بالتدخل الجراحي في العلاج الطبي، فهو آخر الحلول، وعند اللجوء إليه ينبغي أن يتم في أضيق الحدود!.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت