ـ [أبو مالك العوضي] ــــــــ [28 - Nov-2007, مساء 08:41] ـ
كتاب (فهم القرآن) للحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله
يقول المتخصصون في علوم القرآن: إن هذا الكتاب هو أول كتاب مصنف في علوم القرآن.
ذكر ذلك شيخنا الشيخ مساعد الطيار في كتابه (المحرر في علوم القرآن) ، وكذلك ذكر ذلك شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن معاضة الشهري في محاضراته الماتعة على الألوكة (شرح ألفية الشيخ عبد الله فودي في علوم القرآن) .
وكذلك الدكتور (حازم حيدر) في كتابه الرائع (علوم القرآن بين البرهان والإتقان) .
وهو ليس من كتب علوم القرآن بالمعنى الشائع؛ فإنه لم يتعرض إلا لمباحث يسيرة من علوم القرآن، ومعظم ما فيه يتعلق بمباحث النسخ في القرآن، ولكنه يحتوي على فوائد مهمة، تبين بعض النواحي التاريخية لتطور الكلام في علوم القرآن.
ومن المعروف أن الحارث قد اتجه اتجاه ابن كلاب في مسائل الاعتقاد، وهذا لا يهمنا الآن بقدر ما يهمنا دراسة إشاراته ومباحثاته لمسائل أصول التفسير، وخاصة في النسخ.
وهناك فائدة رائعة أيضا في هذا الكتاب، وهو أنه يحكي عددا من الإجماعات المتنوعة في التفسير وغيره، فمنها إجماعات مطلقة، ومنها إجماعات مستقرة بعد خلاف، وغير ذلك
ـ [أبو مالك العوضي] ــــــــ [28 - Nov-2007, مساء 08:43] ـ
... جعل العقول معادن الحكمة ومقتبس الآراء ومستنبط الفهم ومعقل العلم ونور الأبصار، إليها يأوي كل محصول، وبها يستدل على ما أخبر به من علم الغيوب، فبها يقدرون الأعمال قبل كونها ويعرفون عواقبها قبل وجودها وعنها تصدر الجوارح بالفعال بأمرها فتسارع إلى طاعتها أو تزجرها / فتمسك عن مكروهها
ونظروا ببصائرهم إلى ما يشبه الشبهات / من سوء الدلايل ومكايد الشيطان وزخرف المبطلين وكشفوا بمنار دلايله ما وارته الظلمات وغطته الشهوات من خفيات الغيوب ومعالم الطريق المضروب على المحاج الواضحات والبرهان النير، فنظروا بنور هداية كلام الرب جل ذكره وواضح دلايله إلى ما خفي عن الغافلين المؤثرين لأهوائهم على استيضاح كتاب ربهم جل مولانا وتعالى فهتكوا بنوره حجاب كل ظلمة وكشفوا بتبيانه غطاء كل ضلالة وبدعة
فأمرهم فيه بالمكارم ونهاهم عن الآثام والمحارم ووعدهم فيه جزيل الثواب وضرب لهم فيه الأمثال وفصل لهم فيه المعاني الدالة على سبيل النجاة وأبان فيه المشكلات وأوضح / لهم فيه الشواهد على علم الغيوب وجعل فيه حياة قلوبهم وعزهم وشرفهم والغنى به عن جميع العباد
ثم أخبر أن فيه التكرار عن معاني ما قال إن تنحت قلوبهم عند تلاوة ما في سوره عن فهم معانيه تكرر في سورة أخرى ففهموه فقال (مثاني)
قال وحدثنا يزيد بن هرون قال أخبرنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن معتب عن كعب قال: عليكم بالقرآن؛ فإنه فهم العقل ونور الحكمة وينابيع العلم وأحدث الكتب بالرحمن عز وجل.
ـ [أبو مالك العوضي] ــــــــ [28 - Nov-2007, مساء 08:44] ـ
العلم على قدر العالم؛ فأي العلماء أعلم كان طلب علمه أحب إليه من طلب علم من هو دونه في العلم
ومن عقل عن الله جل ذكره ما قال فقد استغنى به عن كل شيء وعز به من كل ذل لا يتغير ولا ينقص حلاوته ولا تخلق جدته في قلوب المؤمنين به على كثرة الترداد والتكرار لتلاوته
وقد طُبِعنا طبعا؛ لا نعرف ما نتلو دون أن نصغي إليه بأسماعنا، ولا نفهمه -وإن أصغينا إليه حتى نحضر له عقولنا- إلا بقطعها عن النظر في كل شيء سواه، ولا نفهم قوله دون أن نعظم ما قال في قلوبنا ونعظم قدر رضاه وسخطه ولا يعظم ذلك عندنا مع طول موالاتنا بالدنيا والاشتغال بذكرها وذكر أهلها إلا بتكرار التلاوة والدوام على تقصي العقل تقصي ذلك والتيقظ له حتى نفهم ما قال فينتبه العقل من غفلته ويشاهد علم الغيوب ببصره ويتوهم عظيم الجزاء الثواب والعقاب برؤية بصره
لأنك إذا لم تشغل جوارحك بشيء غير ذلك ومنع عقلك عن النظر والفكر في غير ذلك اجتمع همك وحضر وإذا حضر عقلك زكا ذهنك وإذا زكا ذهنك قويت على طلب الفهم واستبان فيه اليقين وصفا فيه الذكر وقوي فيه الفكر
فاحرص أن لا يكون فيك خلق ذم الله عز وجل به كافرا وإن كنت مؤمنا فإن من كمال الإيمان مخالفة أهل الكفر بالقول والفعل فيما نهى الله عز وجل عنه
ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالسنة أو بالإجماع
وقد جوز فريق من الروافض في أخبار الله جل ثناؤه التناسخ، وهذا الكفر؛ لا يجوز أن ينسخ الله خبره أنه خلق آدم وأسكنه الجنة وأمر الملائكة أن يسجدوا / له فسجدت الملائكة كلها إلا إبليس ولا أخباره عما مضى من الرسل وعما كان في الدهور الخالية مما أخبر أنه كان فنجد أن ذلك لم يكن وكذلك ما أخبر عز وجل أنه سيقيم القيامة وأنه يبعث من في القبور وأنه يصير فريقا في الجنة وفريقا في السعير ولا ما يقول أهل الجنة وأهل النار وأنه يخلد أهل الجنة فيها ويخلد المشركين في العذاب الأليم فيخبر خلاف ذلك كله لأن ذلك يوجب بالخبر الثاني لزوم الكذب في الأول ولزوم البراءة وأنه أراد أن يفعل فاستبدل فأراد أن لا يفعل رجوعا عن قوله والرجوع عن القول الكذب والبداء من الجهل بالعواقب
لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه كيف يكون يحسن أن يصنعه ومن لم يحسن كيف يصنعه لم يقدر أن يصنعه، وهذا نجده ضرورة في فطرنا فلو لم نر كتابا قط ولم نحسن أن نكتب لم يجز لنا أن نكتب كتابا مؤلفا بمعاني مفهومة بالتخمين أبدا وكذلك جميع الصناعات من لم يرها فيعلمها أو توصف له فيعلمها لم يحسن أن يأتي بها أبدا
وذلك موجود فينا ونحن جهال وعلمنا محدث قد علمنا أن كل إنسان ميت فكلما مات إنسان قلنا قد علمنا أنه قد مات من غير أن نكون قبل موته جاهلين أنه سيموت إلا أنا قد يحدث لنا العلم من الروية وحركة القلب إذا نظرنا إليه ميتا بأنه ميت، والله جل ذكره لا تحدث فيه الحوادث لأنا لم نجهل موت من مات أنه سيكون وكذلك علمنا أن النهار سيكون صبيحة ليلتنا ثم يكون فنعلم أنه قد كان من غير جهل منا تقدم أنه سيكون، فكيف بالقديم الأزلي الذي لا يكون موت ولا نهار ولا شيء من الأشياء إلا وهو يخلقه ونحن لا نخلق شيئا.
(يُتْبَعُ)