ـ [إمام الأندلس] ــــــــ [26 - Nov-2007, صباحًا 01:29] ـ
"الجمالية"أو"علم الجمال"مصطلح يستعمل في الفكر المعاصر؛ للدلالة على تخصص من تخصصات العلوم الإنسانية التي تُعْنَى بدراسة"الجمال"من حيث هو"مفهوم"في الوجود، ومن حيث هو"تجربة"فنية في الحياة الإنسانية.
"فالجمالية"إذن؛ علم يبحث في معنى"الجمال"من حيث مفهومه وماهيته ومقاييسه ومقاصده."والجمالية"في الشيء تَعْنِي أن"الجمال"فيه حقيقة جوهرية وغاية مقصدية، فما وُجِدَ إلا ليكون جميلا! (1) وعلى هذا المعنى انبنت سائر"الفنون الجميلة"بشتى أشكالها التعبيرية والتشكيلية.
ومصطلح"الجمالية"أو"علم الجمال"ترجمة لكلمة"استطيقا"، وهي كلمة ولدت في رحم الفلسفة الغربية من الناحية الاصطلاحية خلال القرن الثامن عشر الميلادي. فقد كان الفيلسوف"باومجارتن"سنة 1750م أول من سك هذا اللفظ، ثم انتقل استعماله إلى سائر الثقافات والعلوم الإنسانية كالأدب والفن.
إلا أن"الجمالية"من حيث هي مفهوم قديمة قدم الإنسان نفسه، وصاحبت الحضارات البشرية كلها بدون استثناء، واتخذت لها طابعا خاصا مع كل حضارة، كما كانت لها تجليات خاصة ومتميزة مع كل تجربة إنسانية مختلفة. (2) ولم تكن الحضارة الإسلامية بدعا من الحضارات الإنسانية جملة. ذلك أن"الجمال"في الإسلام أصل أصيل، سواء من حيث هو قيمة دينية: عَقَدِيَّةٌ وتشريعية، أو من حيث هو مفهوم كوني، وكذا من حيث هو تجربة وجدانية إنسانية. ومن هنا كان تفاعل الإنسان المسلم مع قيم الجمال ممتدا من مجال العبادة إلى مجال العادة، ومن كتاب الله المسطور إلى كتاب الله المنظور! مما خلد روائع من الأدب والفن التي أنتجها الوجدان الإسلامي في قراءته الراقية للكَوْنَيْن وسياحته الرائعة في العالَمَيْنِ: عالم الغيب وعالم الشهادة!
ولقد قاد الجهلُ بالتراث الإسلامي أو العمى الصليبي بعضَ فلاسفة الغرب إلى حصر التجربة الجمالية الإسلامية في مجال"الإدراك العقلي"دون"الإدراك الوجداني العاطفي"؛ واتهم التجربة الإسلامية بالفقر الفني والجمالي! فأقل ما يقال عن مثل هذا الاتهام أن صاحبه جاهل بحقيقة الإسلام وقيمه الجمالية من جهة، وبتجربة الأمة الإسلامية من جهة أخرى. أعني على المستوى الجمالي، في كل تجلياتها العربية وغير العربية: فارسيةً وهنديةً وتركيةً ثم مَالَوِيَّةً!
ولقد انبرى الفيلسوف الفرنسي المعاصر"إتيان سوريو"فيلسوف"الجمالية"وأستاذ علم الجمال في جامعة السربون بباريس (3) للدفاع عن هذه الحقيقة، ردا على بعضهم، لكنه مع ذلك لم يكن موفّقا كل التوفيق بسبب نقص المعطيات عنده عن قيم الجمال في الإسلام وعن تجربة المسلمين في ذلك المجال. يقول محيلا على اتهامات"بلزاك"في كتابه"الابن الملعون":"لطالما قيل - وعلى غير وجهٍ من حق - إن الفن العربي قد كان فنا إدراكيا، لا يتوجه إلا إلى الفكر النظري المحض وليست له أية قدرة على الإثارة العاطفية!". (4) ثم يستطرد بعد ذلك مدافعا عن الجمالية الإسلامية، بشواهد من جمالية العمران وفن العمارة بالبلاد العربية والإسلامية، لكن -مع الأسف- بتحليلات هي أقرب إلى الخرافة منها إلى المقاييس العلمية للجمال!
يقول:"إن هذا الرأي هو خاطئ تماما! والحقيقة هي ما ذهب إليه من قبل"غايي: Gayet"عندما تحدث في كتابه:"الفن العربي"عن المشاعر التي تثيرها -من وجهة نظر الجمالية العربية- المعطيات الهندسية لذلك الفن بتفاصيلها وأشكالها. ولذا فهو يقول بأن الدوائر الهندسية إذا كانت زواياها المتعددة مزدوجة، فإنها"توقظ في النفس مشاعر عميقة مطبوعة بطابع الصفاء العذب"، أما إذا كان عدد زواياها مفردا فإنها تبعث على"الحزن المبهم والقلق والاضطراب". ويقول أيضا:"إن الصورة المتكونة من الجمع بين المربعات والمثمنات تبعث على فكرة السكون الأبدي، أما تلك التي تنبثق من الأشكال ذات الزوايا التسع فإنها توقظ الإحساس بسر مبهم مضطرب!" (5) كذا .. !! والعجيب حقا هو كيف فهم"غايي"أن هذا التفسير الغريب للأشكال الهندسية هو"من وجهة نظر الجمالية العربية"، ثم كيف قبل منه الأستاذ"سوريو"هذا الهذيان ونقله على سبيل التبني في كتابه! لقد كان الأولى بغايي هذا أن يعرض أحواله المترددة ما بين"
(يُتْبَعُ)