ـ [هشيم بن بشير] ــــــــ [31 - Dec-2008, مساء 06:01] ـ
لماذا يختلف العلماء؟
صالح بن سليمان العامر
قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) . [النساء:65] . وقال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) . [النور:51] . إن تحكيم شرع الله هو في منزلة الإسلام، وعدم وجود الحرج مما قضى رسول الله بمنزلة الإيمان، ثم تأتي منزلة الإحسان في التسليم لحكم الله ورسوله، وهو المعبر عنه بالسمع والطاعة لشرع الله وتحكيمه الذي هو حال المؤمنين.
وشرع الله لعبادة جاء به أنبيائه ورسله؛ فقد كان لكل نبي شريعة، كما قال تعالى في سورة المائدة: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ثم خُتموا بمحمد -صلى الله عليه وسلم- الذي بين لنا شريعة الله، ثم ورّثها إلى من بعده من العلماء، كما قال عليه الصلاة والسلام:"إن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورّثوا العلم الذي من أخذه فقد أخذ بحظ وافر". رواه الترمذي بسند حسن؛ فالعلماء هم ورثة الأنبياء كما قال الشاعر:
أهلُ الحديثِ هُمُوا أهلُ النبي وإنْ لم يصحبوا نفسَه أنفاسَه صحِبوا
ولذلك بدأ تسلسل وتتابع العلماء من الصحب الكرام، ولهم القدح المعلّى من الفهم، وموافقة الصواب، ثم مرورًا بتابعيهم وتلامذتهم، ثم انتهاء بالعلماء إلى يوم الدين الذين قاموا بنشر العلم، وإفتاء الناس، وتعليمهم، واستنبطوا الأحكام من كتاب الله وسنة محمد -صلى الله عليه وسلم- وإذا اختلفوا في شيء ردوه إلى الله والرسول، كما أمرهم الله، وكلهم مجتهد ومصيب، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، كما قال رسول الله فيما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. وفي هذه العجالة ألملم شتات معلومات ألتقطها من خلال سماع دروس مشائخنا الكرام، والتي من أكثرها وأهمها ما اقتنصته من شيخنا المربي الفاضل سلمان العودة في الجامع الكبير في عام ألف وأربع مائة وثمانية، والذي كان -حفظه الله ورعاه- يمزج في دروسه لشرح البلوغ خاصة بذكر أدب العلم، والذي أسأل الله أن يكون له أثر على من شرف بالجلوس له في توازن الفقه والسداد فيه، واحترام أهل العلم أين ومتى كانوا ما داموا قد بذلوا وسعهم في اجتهادهم وبحثهم وفق آليات العلم وأدواته. هذه المعلومات تتعلق بفقه التعامل مع اختلاف أهل العلم، وتقبله، والاعتذار لهم في اختلافهم، وإدراك طبيعة ذلك، وإن ذلك لم يؤد إلى اختلاف قلوبهم والبغضاء فيما بينهم -رحمهم الله- بل كان كل واحد يكن التقدير والاحترام للآخر، والتماس العذر له، ومن أراد الاستزادة في هذا الموضوع فليراجع كتاب ابن تيمية"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، فإنه كتاب نفيس في هذا الباب.
من الأمر المهم أن نعلم أنّ من ادعى إحاطته بالسنة النبوية فقد أخطأ، لأن صحابة رسول الله قد انتشروا بعد وفاة رسول الله في أقطار الأمة الإسلامية، وجاء أهل الحديث الذين قاموا بجمع الأحاديث، ثم صنفوا الكتب في قصة لا تخفى على الجميع، لذلك لا يُشترط فيمن يفتي أن يكون محيطًا بالسنة النبوية، بل لابد أن يكون لديه القدرة على الفهم والاستنباط واستحضار آيات وأحاديث الأحكام، ومعرفة فقه واقع الناس في كل جانب من جوانب الحياة التي سوف يتكلم فيها، ويبين فيها حكم الله فيما يعتقد ويجتهد، إضافة إلى اكتساب أدوات وآليات النظر والاجتهاد، كما ذكرها أهل الأصول. يمكن تقسيم الأعذار إلى ثلاثة أقسام عامة، أحدها يرجع إلى الدليل، والثاني يتعلق بالاستدلال، والثالث يكون على حسب القدرة على فهم الواقع لكي يتم التخريج عليها، خاصة فيما يتعلق بفقه النوازل المعاصرة، ويمكن دمج الثلاث، واتباع ابن تيمية في تقسيمه وإضافة شيء يسير:
أولًا: ألا يعتقد العالم أو طالب العلم أن هذا الحديث صدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لخفائه عليه أو أنه حفظه ثم نسيه
(يُتْبَعُ)