(قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) يحتمل أن يكون ذلك دعاء من إبراهيم أي واجعل من بعض ذريتي أئمة، ويحتمل أن يكون هذا من إبراهيم لقصد الإستفهام وإن لم يكن بصيغته أي ومن ذريتي ماذا يكون يا رب، فأخبره أن فيهم عصاة وظلمة، وأنهم لا يصلحون لذلك ولا يقومون به، ولا ينالهم عهد الله سبحانه، وتخصيص البعض بذلك لبداهة استحاله
إمامة الكل، وإن كانوا على الحق، عن قتادة قال هذا عند الله يوم القيامة لا ينال عهده ظالماً، فأما في الدنيا فقد نالوا عهده فوارثوا به المسلمين وغادوهم وناكحوهم، فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه، وعن مجاهد قال لا أجعل إماماً ظالماً يقتدى به، وعن ابن عباس قال يخبره أنه إن كان في ذريته ظالماً لا ينال عهده ولا ينبغي له أن يوليه شيئاً من أمره، والنيل الإدراك وهو العطاء، والذرية مأخوذة من الذر، لأن الله أخرج الخلق من ظهر آدم عليه السلام حين أشهدهم على أنفسهم كالذر، وقيل مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم إذا خلقهم، وفي الكتاب العزيز (فأصبح هشيماً تذروه الرياح) وقال الخليل: إنما سموا ذرية لأن الله تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزراع البذر، قال ابن عباس: يؤخذ من هذا إباحة السعي في منافع الذرية والقرابة وسؤال من بيده ذلك.
واختلف في المراد بالعهد فقيل الإمامة وقيل النبوة وقيل عهد الله أمره وقيل الأمان من عذاب الآخرة ورجحه الزجاج، والأول أظهر كما يفيده السياق.
وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالماً وممكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد وما يفيده الإضافة من العموم فيشمل جميع ذلك اعتباراً بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى السياق، فيستدل به على اشتراط السلامة من وصف الظلم في كل من تعلق بالأمور الدينية.