وَالْآخَرُ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا وَفَّى؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ» فَلَوْ كَانَ خَبَرُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ صَحِيحًا سَنَدُهُ. كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمُ فَقَامَ بِهِنَّ هُوَ قَوْلُهُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} أَوْ كَانَ خَبَرُ أَبِي أُمَامَةَ عُدُولًا نَقَلَتْهُ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أُوحِينَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَابْتُلِيَ بِالْعَمَلِ بِهِنَّ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ."
غَيْرَ أَنَّهُمَا خَبَرَانِ فِي أَسَانِيدِهِمَا نَظَرٌ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ ابْتَلَى بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ مَا بَيَّنَّا آنِفًا.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي ذَلِكَ: إِنَّ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَأَبُو صَالِحٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ غَيْرُهُمْ؛ كَانَ مَذْهَبًا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} وَقَوْلُهُ: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} وَسَائِرِ الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ كَالْبَيَانِ عَنِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ ابْتَلَى بِهِنَّ إِبْرَاهِيمُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَتَمَّهُنَّ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَأَتَمَّهُنَّ} فَأَتَمَّ إِبْرَاهِيمُ الْكَلِمَاتِ، وَإِتْمَامُهُ إِيَّاهُنَّ إِكْمَالُهُ إِيَّاهُنَّ بِالْقِيَامِ لِلَّهِ بِمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِنَّ وَهُوَ الْوَفَاءُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}
يَعْنِي وَفَى بِمَا عُهِدَ إِلَيْهِ بِالْكَلِمَاتِ، فَأَمَرَهُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَمَحَنَهُ فِيهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}