ومعنى الآية: إِن ربك الذي رباك على موائد كرمه يعلم أَنك يا محمد تقوم من الليل أَقل من ثلثيه حينًا وتقوم نصفه حينًا وتقوم ثلثه حينًا آخر، وتقوم معك طائفة من أَصحابك تأَدبوا بآدابك وحَذَوْا حَذْوَك ونسجوا على منوالك واهتدوا بهديك ومنهم من كان لا يدري كم صلَّى في الليل وكم بقي منه، ولا يدري متى نصف اللَّيل من ثلثه فكان يقوم الليل كله احتياطيًّا مخافة أَن يخطيء حتى انتفخت أَقدامهم، وامتقعت أَلوانهم سنة أَو أَكثر فرحمهم الله وخفف عنهم فقال: (وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) أَي: يعلم مقادير اللَّيل والنهار على حقائقها وأَنتم تعلمون بالتَّحَرِّي والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ، ولا يقدر على تقدير الليل والنهار وضبط ساعاتهما كما هي إِلا الله وحده (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) علم الله أَنَّ الشَّأن لن تقدروا على تقدير الأَوقات ولن تستطيعوا ضبط الساعات، ولا يتأَتى لكم حسابها إِلا أن
تأَخذوا بالأَكثر والأَوسع للاحتياط وذلك شاق عليكم (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) أَي: فرجع بكم إِلى التخفيف بالترخيص في ترك القيام المُقَدّر ورفع التبعة عنكم في تركه كما ترفع التبعة عن التائب، وعاد إِليكم بالعفو، وهذا يدل على أَنَّه كان فيهم من ترك بعض ما أُمِر به، وقيل: فتاب عليكم من فرض القيام إِن عجزتم، وأَصل التوبة الرجوع، فالمعنى رجع بكم من تثقيل إِلى تخفيف، ومن عسر إِلى يسر، وكانوا أَمروا بحفظ الأَوقات على سبيل التحري فخفف عنهم ذلك التحري.
(فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ) أَي: فَصَلُّوا ما يتيسر لكم من صلاة الليل، وعبّر عن الصلاة بالقراءَة كما عبر ببعض أَركانها فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) أَي أَقيموا الصلاة، وقيل الكلام على حقيقته من طلب قراءَة القرآن بينهما قال السدي: مائة آية، وقال سعيد: خمسون.