عليه فيصير في الحقيقة نصفاً وشيئاً ، فيكون الباقي بعد ذلك أقل منه ، وإذا ثبت هذا فنقول: {قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً} معناه قم الليل إلا نصفه ، فيكون الحاصل: قم نصف الليل ، ثم قال: {أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً} يعني أو انقص من هذا النصف نصفه حتى يبقى الربع ، ثم قال: {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} يعني أو زد على هذا النصف نصفه حتى يصير المجموع ثلاثة أرباعه ، وحينئذ يرجع حاصل الآية إلى أنه تعالى خيره بين أن يقوم تمام النصف ، وبين أن يقوم ربع الليل ، وبين أن يقوم ثلاثة أرباعه ، وعلى هذا التقدير يكون الواجب الذي لا بد منه هو قيام الربع ، والزائد عليه يكون من المندوبات والنوافل ، وعلى هذا التأويل يزول الإشكال الذي ذكرتم بالكلية لأن قوله:
{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} [المزمل: 20] يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقم ثلثي الليل ، ولا نصفه ولا ثلثه لأن الواجب لما كان هو الربع فقط لم يلزم من ترك قيام الثلث ترك شيء من الواجبات ، فزال السؤال المذكور ، والله أعلم.
قوله تعالى: {وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً} قال الزجاج: رتل القرآن ترتيلاً ، بينه تبييناً ، والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآن ، إنما يتم بأن يتبين جميع الحروف ، ويوفي حقها من الإشباع ، قال المبرد: أصله من قولهم: ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير ، وقال الليث: الترتيل تنسيق الشيء ، وثغر رتل ، حسن التنضيد ، ورتلت الكلام ترتيلاً ، إذا تمهلت فيه وأحسنت تأليفه ، وقوله تعالى: {تَرْتِيلاً} تأكيد في إيجاب الأمر به ، وأنه مما لا بد منه للقارىء.