وبهذا يكون السبب في نزول الآية هو المقارنة بين مبدأين متغايرين ، وأن الأولية في الآية في قوله: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] أولية نسبية أي بالنسبة لكل مسجد في أول يوم بنائه ، وإن كان الظاهر فيها أولية زمانية خاصة ، وهو أول يوم وصل صلى الله عليه وسلم المدينة ، ونزل بقباء ، وتظل هذه المقارنة في الآية موجود إلى ما شاء الله في كل زمان ومكان كما قدمنا.
وقد اختصت تلك المساجد الأربعة بأمور تربط بينها بروابط عديدة ، أهمها تحديد مكانها حيث كان بوحي أو شبه الوحي.
ففي البيت الحرام قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت} [الحج: 26] .
وفي المسجد الأقصى: ما جاء في الأثر عنه: أن الله أوحى إلى نبيه داود. أن ابن لي بيتاً ، قال: واين تريدني أبنيه لك يا رب؟ قال: حيث ترى الفارس المعلم شاهراً سيفه.
فرآه في مكانه الآن ، وكان حوشاً لرجل من بني إسرائيل. إلى آخر القصة في البيهقي.
وفقي مسجد قباء بسند فيه ضعف. لما نزل صلى الله عليه وسلم قباء قال: من يركب الناقة إلى أن ركبها عليّ ، فقال له: أرخ زمامها فاستنت ، فقال: خطوا المسجد حيث استنت.
وفي المسجد النبوي: جاء في السير كلها أنه صلى الله عليه وسلم كان كلما مر بحي من أحياء المدينة ، وقالوا له: هلم إلى العدد والعدة ، فيقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، حتى وصلت إلى أمام بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، وكان أمامه مربد لأيتام ومقبرة ليهود ، فاشترى المكان ونبش القبور وبنى المسجد.
وكذلك في البناء فكلها بناء رسل الله ، فالمسجد الحرام بناه إبراهيم عليه السلام ، أَي البناء الذي ذكره القرآن وما قبله فيه روايات عديدة ، ولكن الثابت في القرآن قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127] .