قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) - فاقتضت حكمة التنزيل حكاية هذا الحادث الغيبي ليرى الكفار من السامعين أن من هؤلاء الذين يتصورونهم أقوياء بطاشين جريئين على السماء والذين يتخذونهم معبودات ويتقرّبون إليهم بالعبادة والاستعاذة من رأى أعلام النبوّة المحمدية وآمن بها حينما استمع إلى القرآن الذي يتلوه النبي صلى الله عليه وسلم واعترف بما فيه من هدى ورشد وإدراك ما كانوا عليه من سخف وضلال في إنكار البعث ونسبة الولد والزوجة إلى الله، وأمل الإفلات من حسابه وعقابه وسنّة المشتطين المنحرفين. ومما يجعل هذا التوجيه قويّا ما جاء في آخر آية من السورة السابقة من تقرير كون الذين عند الله- وهم الملائكة على ما شرحناه في مناسبتها- لا يستكبرون عن عبادته ويسبّحونه ويسجدون له. فللملائكة في أذهان العرب صورة قوية كما كان للجنّ على ما شرحناه في سياق تفسير سورة المدثّر، وكلاهما شغلا حيزا كبيرا في أفكارهم وعقائدهم وتقاليدهم فذكر الملائكة بما ذكروا به في آخر السورة السابقة وذكر نفر الجنّ بما ذكروا به في السورة التي تلتها لهما معناهما من الترابط والتساوق في الإشارات والمقاصد القرآنية في صدد موقف هذين الخلقين الغيبيين العظيمين من الله والإخلاص له، وفي دعوة العرب الذين لهما في أذهانهم ما لهما إلى الاقتداء والتأسي بهما. وهذا التساوق بين آخر
السورة السابقة وهذه السورة قد يحتوي قرينة على صحة ترتيب نزول هذه السورة عقب تلك. ولقد تكررت هذه الإشارات في مواضع أخرى من القرآن بأسلوب يسوغ الترجيح أنها إنما جاءت في صدد توكيد هذا المعنى الذي نقرره على ما سوف نشرحه في مناسباتها.