فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 457684 من 466147

فقد صور القرآن الكريم في هذا التشبيه المعنى الذهني المجرد في صورة محسة تدرك بالحواس لا بالعقل وحده؛ فجاءت أعمال الذين كفروا في الدنيا من حسن المعاملة، وبذل المال، وقول المعروف، وصلة القربى، والإحسان للناس، وغيرها مما يعلقون عليها الأمل والنفع، فإذا بهم لا تنفعهم في الآخرة؛ فلم يجدوا فيها ثوابًا يعينهم على هول يوم القيامة، وهم في أشد الحاجة إلى ذلك، ثم جاء التشبيه فصور المشبه به: هذه المعاني الفكرية في صورة تدرك بالحس، وهي صورة السراب، الذي يتراءى في الصحراء ماءً للرائي، فيتلهف إليه الظمأن بين أحشائه، حتى إذا ما انتهى إليه لم يجد شيئًا، وإنما يجد هولًا وعذابًا وعقابًا شديدًا.

وبذلك تتحرك هذه المعاني في مشهد حتى يموج بالحيوية والحياة والجدة والحركة، من خلال أدواته التي يسمع وقعها الأليم، وفي دقات القلب السريعة، وفرقعات السير وضجيجه؛ فترى العين هذه المعاني من خلال الظلال والألوان: ترى طريقًا وشخصًا يطويها، وصحراء واسعة وضبابًا حينًا، وشمسًا حارقة أحيانًا، وسرابًا يراوغ العين، كما يتذوق مرارة الجوع، وحرقة المعاناة والكد، ولظى المفاجأة، وخيبة الرجاء.

الغاية من هذه الصورة القرآنية:

يجتمع الطرفان"المشبه والمشبه به"المتقابلان في غاية واحدة: الصورة الذهنية الفكرية المجردة، وهي الأعمال الحسنة الخاسرة للذين كفروا، والصورة المرئية المحسة، وهي السراب الخادع في الصحراء القاسية، فالصورتان هنا يجمعهما معنًى واحد، وهو أن الكافر لا ينتفع بشيء من أعماله الحسنة في الدنيا ولا في الآخرة، مع أنه في أشدِّ الحاجة إليها حينئذ، كما يتعلق الظامئ بالسراب وانخداعه به، فهو متلهف به يعلق عليه حياته، وقد عبَّر عن هذه الغاية الرماني بإيجاز فقال:"وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة"1.

منابع التصوير القرآني وعناصره:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت