وقال الكلبي عن ابن عباس: إن كان الآباء أرفع درجة من الأبناء رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة من الآباء رفع الله الآباء إلى الأبناء. وهذا القول اختيار الفراء. والآباء على هذا القول داخلون في اسم الذرية.
وذكرنا جواز ذلك عند قوله: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} عني بالذرية الآباء. والأكثرون على القول الأول. وهو أن الأبناء يلحقون بدرجة الآباء.
قال إبراهيم: أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا. وهو اختيار الزجاج. قال: تأويل الآية أن الأبناء يلحقون بالآباء إذا كانت مراتب الآباء في الجنة أعلى من مراتبهم، ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا. وذلك قوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} وذكرنا تفسير الألت عند قوله: {لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} والقراء على فتح اللام
في: (ألتناهم) وهو الأشهر الأعرف.
وقرأ ابن كثير بكسر اللام. ويشبه أن يكون ذلك لغة، فقد جاءت حروف على فَعِلَ وفَعَلَ، مثل: نَقِمَ يَنْقَمُ، ونَقَم يَنْقِم.
وقد رويت هذه القراءة عن يحيى بن يعمر، ومكانه مكانه.
قال ابن عباس: لم تنقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ذرياتهم. وهذه الآية رد ظاهر على القدرية حين أنكروا أن يعطي الله تعالى ذكره مؤمنًا من فضله ما لا يستحقه بعمله. وتم الكلام عند قوله: {مِنْ شَيْءٍ} ، ثم ابتدأ: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} قال ابن عباس: ارتهن أهل جهنم بأعمالهم. أي أخذوا وحبسوا في جهنم، ولكن الكلام في نفس الآية يدل على ما ذكر؛ لأن الله وصف منازل أهل الجنة، ثم ذكر أهل النار وأنهم ارتهنوا بعملهم، فدل معنى الكلام على أنهم معذبون، فإن أهل الجنة في نعيمهم.