وملخص هذه النظرية - وأخشى أن يكون مخلا - أن الأفعال من خلق الله تعالى، فالله خالق كل شيء، والإنسان من خلق الله، وأفعاله مخلوقة لله، لكنه يقول أن الله تعالى خلق في الإنسان كسبا و خلق الفعل، فإذا وقعت المقاربة بين الكسب والفعل انجذب الفعل إلى الكسب كانجذاب الحديد إلى المغناطيس.
فهو يرى أن الإنسان تخلق له استطاعة على الطاعة، فإذا أراد الله أن يخلق صلاة العصر في جسمك، خلق فيك استطاعة مؤقتة على قدر الركعات الأربع وتنفد وتنتهي، فإذا أراد الله أن يخلق فيك فعلا آخر خلق فيك استطاعة جديدة، وهكذا ...
وهذه النظرية ونظرية المصلحة عند الطوفي والطفرة عند النظام وحوادث لا أول لها عند شيخ الإسلام صعبة جدا في تصورها.
وعدا النظرية الأخيرة لشيخ الإسلام ونظرية المصلحة عند الطوفي، فهي نظريات لا حقيقة تحتها
ومثلها أيضا نظرية الحال عند أبي هاشم.
ولذلك يقول أحد العلماء:
مما يقال ولا حقيقة تحته ... معقولة تدنو إلى الأفهام
الكسب عند الأشعري والـ ... حال عند البهشمي و طفرة النظام
فالأشاعرة مثلا يقولون: مذهبنا أن لنا قدرة حادثة لسنا بها نقدر!!
وقد سألت يوما أحد مشايخ الزيتونة أن يشرح لي معني قولهم هذا، فقال لي: هذا من المتشابه، وتلا علي قوله تعالى:"فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه"!!
مع أن قول الأشاعرة فيه سلامة من مذهب القدرية، لأنهم أثبتوا القدر، وفيه سلامة من مذهب الجبرية لأنهم لم ينسبوا تلك الأفعال إلى الله، وقد تجنى عليهم من جعلهم جبرية، فهم إنما نسبوها إلى كسب الإنسان، ونسبوا خلقها لله، لكنهم لم ينسبوا فعلها إلى الله.
ولكن هذا القول صعب جدا في الفهم، وليس عليه دليل مطلقا.
قلت - حفظك الله-:
أخي الفاضل: هل تقصد بقولك"قدرها علي"أي جعلها موجودة و ممكنة لي، أو قل مقدورة ومتاحة بحيث لو أردت فعلها لفعلت ولو أردت الإمساك عنها لفعلت؟ كما في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم)
تعليقا على قولي:
وأما الطاعات والمعاصي فليست من فعل الله جل جلاله، وهي من خلقه، والخلق هنا بمعنى التقدير.
فالله جل جلاله قدرها عليك، لكن أنت فعلتها
وقصدي أن الله تعالى قدرها عليك بمعنى علمها منذ الأزل في علمه المحيط وكتبها في أم الكتاب وهما المرتبتان القديمتان من القدر، وزمّنها ووقتها، وأنفذها على وفق ما علم جل جلاله وهما المرتبتان المحدثتان من القدر.
كل هذا أقصد، وما أشرت إليه أنت - حفظك الله - مندرج تحت مرتبة إنفاذه جل وعلا على وفق ما علم.
فسبحانه وتعالى
"لن يطاع إلا بإذنه ولن يعصى إلا بعلمه يطاع فيشكر وبتوفيقه ونعمته أطيع ويعصى فيغفر ويعفو وحقه أضيع فهو أقرب شهيد وأدنى حفيظ وأوفى وفي بالعهد وأعدل قائم بالقسط حال دون النفوس وأخذ بالنواصي وكتب الآثار ونسخ الآجال فالقولب له مفضية والسر عنده علانية والعلانية والغيوب لديه مكشوف وكل أحد اليه ملهوف وعنت الوجوه لنور وجهه وعجزت القلوب عن إدراك كنهه ودلت الفطرة والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه أشرقت لنور وجهه الظلمات واستنارت له الارض والسموات وصلحت عليه جميع المخلوقات لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه."
مما اعتاض باذل حبه لسواه من ... عوض ولو ملك الوجود بأسره"ابن القيم - الجواب الكافي ص 167"
ـ [عبدالله الشهري] ــــــــ [01 - Dec-2008, صباحًا 09:15] ـ
جزاك الله خيرا وأحسن إليك.
فائدة:
طفرة النظام فيها شبه بطبيعة حركة الالكترون حسب التجارب المجراه في فيزياء الكم. فطفرة النظام نملة تمشي مرة ثم تطفر مرة على مسافة لا متناهية، فتتجاوز نقطة 1 إلى 3 دون المرور بـ 2، وأما حركة الالكترون فينتقل من نقطة 1 إلى 3 دون المرور بـ 2 كذلك، إلا ان الفرق بينهما أن طفرة النظام تريد أن تجمع بين قطع المسافات اللامتناهية بواسطة جسم متناه، ويكفي في بطلان هذا تصور العقلاء له.
ـ [عبدالله الشهري] ــــــــ [06 - Feb-2010, مساء 09:29] ـ
استطراد: أثبت الملحد دانيال دينيت، من خلال علم الحياة، أن الإنسان يمتلك حرية حقيقية، وليست وهمية، وهو ذلك القدر من الحرية الذي يجيز لنا محاسبته على تصرفاته الواعيه وتحميله المسؤولية عند تعمد الخطأ. وهذا ليس بجديد على اعتقاد أهل السنة ولله الحمد، ولكنه مُشكل عندهم جدًا لأن هناك طائفة كبيرة من علماء الحياة تقول أن تطور الطبيعة يلتزم عملية حتمية صمّاء لا يمكن أن يحيد عنها شيء، بما في ذلك جينات الآدمي وما تحويه من معلومات، فجاء هذا الملحد الدارويني - المخضرم عندهم - واثبت ما ذكرت في كتابه"Elbowroom".
فائدة: لا تعارض بين مشيئة الله ومشيئة العبد، لأن الله يقدر على أن يحظر على نفسه أشياء معينة، وقد فعل، فقد حرّم على نفسه الظلم، ولاشك أن أظلم الظلم أن يخلق الله عبدًا ثم يسلبه حريته ويأمر به إلى النار، فلذلك حرية العبد من أولى ما ينتُج عن تحريم الله الظلم على نفسه، ثم الله مع ذلك بيده مقاليد السموات والأرض، وبكل شيء محيط.